بن عيسى باطاهر
21
المقابلة في القرآن الكريم
وهذا بحث فلسفي صرف وإن تعلّق باللّه تعالى وصفاته وبالتضاد الناشئ عن المتقابلات الكثيرة في هذا الوجود الإنساني ، ولا نريد أن نفصل في هذه المفاهيم التي قد تخرجنا عن جادة الموضوع . ويعرّف ابن حزم الظاهري ( - 456 ه ) التضاد قائلا : « هو اقتسام الشيئين طرفي البعد تحت جنس واحد ، فإذا وقع أحد الضدين ارتفع الآخر » « 1 » . وجاء هذا القول في معرض الرد على الفلاسفة الذين وصفوا اللّه تعالى بأنّه ضدّ لخلقه ، فرد عليهم بأنّ هذا الوصف بعيد عن الباري تعالى ، وإنما التضاد كالخضرة والبياض الذين يجمعهما اللون ، أو الفضيلة والرذيلة اللتين تجمعهما الكيفية والخلق « 2 » . وابن حزم هنا ينبّه إلى شرط الاشتراك في الجنس لتحقيق التضاد ، واللّه سبحانه مختلف عن خلقه في الجنس والكيفية ، فكيف يكون ضدا لهم . وبهذا المعنى ردّ ابن تيمية ( - 728 ه ) على المتفلسفة فقال : « الفصل الثاني في وحدانية واجب الوجود وأنّه لا ضد له ولا ند ، وأنّه قديم أزلي » « 3 » . وفي معرض ردّ ابن تيمية على الفلاسفة تحدث عن المقابلة فقال : « المتقابلان إمّا أن يختلفا بالسلب والايجاب ، وإما أن لا يختلفا بذلك ، بل يكونان إيجابيين أو سلبيين ، فالأول : هو النقيضان ، والثاني : إما أن يمكن خلو المحل عنهما ، وإما أن لا يمكن ، والأول هما الضدان كالسواد والبياض ، والثاني في معنى النقيضين وإن كانا ثبوتيين ، كالوجوب والإمكان ، والحدوث والقدم ، والقيام بالنفس والقيام بالغير ، والمباينة والمجانبة ونحو ذلك ، ومعلوم أنّ الحياة
--> ( 1 ) الفصل في الملل والأهواء والنحل - تحقيق محمد إبراهيم نصر ، وعبد الرحمن عميرة - ط دار الجيل بيروت 1985 م - ج 1 - ص 52 . ( 2 ) المصدر نفسه - ج 1 - ص 52 . ( 3 ) درء تعارض العقل والنقل - تحقيق محمد رشاد سالم - ط دار الكنوز الأدبية - ج 5 - ص 109 .