بن عيسى باطاهر

22

المقابلة في القرآن الكريم

والموت ، والصم والبكم والسمع ، ليس ممّا إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما كالحمرة بين السواد والبياض ، فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما ، فإذا انتفى أحدهما تعيّن الآخر » « 1 » . والفلاسفة في حديثهم عن العدم والملكة وصفوا اللّه تعالى بالنقيص ، وسلبوه من صفات الكمال فرد عليهم بقوله : « إن المتفلسفة اصطلحوا على تقسيم « المتقابلين بالنفي والإثبات » إلى النقيضين ، وإلى ما يسمونه « العدم والملكة » ، فالعدم عندهم سلب الشيء عما من شأنه أن يكون متصفا به كالعمى والخرس ، فإنه عدم البصر والكلام عمّا من شأنه أن يكون بصيرا متكلما ، فأما الجماد فلا يسمّونه لا بهذا ولا بهذا . وشبهتهم لبست على طائفة من أهل النظر ، فظنّوا أنّه إذا لم يوصف بصفات الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر والكلام لم يلزم أن يتصف بصفات النقص لأنهما متقابلان تقابل « العدم » و « الملكة » لا تقابل النقيضين « 2 » . وخلص ابن تيمية إلى القول بأن الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنّة في هذا الباب : أنّه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى ، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت ، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز ، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبكم . وطرد ذلك أنّه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه ، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى ، وتلك صفة نقص ينزّه عنها الكامل من المخلوقات ، فتنزيه الخالق منها أولى « 3 » . وانتهى إلى وصف الفلاسفة بأنهم مخالفون لصريح المعقول كما أنهم مخالفون لصحيح المنقول « 4 » .

--> ( 1 ) الفتاوى - ج 3 - ص 88 ، 89 . ( 2 ) المصدر نفسه - ج 12 - ص 356 ، 357 . ( 3 ) الفتاوى - ج 3 - ص 88 ، 89 . ( 4 ) منهاج السنة النبوية - تحقيق محمد رشاد سالم - ط 2 مكتبة ابن تيمية : القاهرة 1989 - ج 1 - ص 364 ، 365 .