بن عيسى باطاهر

201

المقابلة في القرآن الكريم

والتقليد مذموم في القرآن الكريم ، وقد عبّر عنه بالآبائية التي تعني اتباع الآباء أو من لهم رأي أو سلطة دون دليل أو برهان ، قال تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [ البقرة : 170 ] ، وقال تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [ المائدة : 104 ] . فهذه الآيات وغيرها فيها ذمّ لمن أعرض عمّا أنزله اللّه إلى تقليد الآباء ، وهذا القدر من التقليد هو ما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمّه وتحريمه « 1 » ، و « إن في تحريم التقليد وتصريح الكتاب العزيز بأن اللّه تعالى لا يقبله ، ولا يعذر صاحبه به في الآخرة لتأكيدا شديدا لإيجاب العلم الاستقلالي الاستدلالي في الدين » « 2 » . وأما الاجتهاد فقد عبّر عنه القرآن الكريم « بالبرهانية » أي الدعوة إلى اتباع الدليل والبرهان في التوصل إلى الحقيقة ، وترك التقليد المذموم الذي يقود إلى الجهل والعصبية ، قال تعالى : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 111 ] ، وقال أيضا : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ المؤمنون : 117 ] . قال أهل التفسير : « إن القرآن قرر لنا قاعدة لا توجد في غير القرآن من الكتب السماوية ، وهي أنّه لا يقبل من أحد قول لا دليل عليه ، ولا يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها ، ذلك أن الأمم التي خوطبت بالكتب السالفة لم تكن مستعدة لاستقلال الفكر ، ومعرفة الأمور بأدلتها وبراهينها ، ولذلك اكتفي منهم بتقليد الأنبياء فيما يبلّغونهم وإن لم يعرفوا برهانه ، فهم مكلفون أن

--> ( 1 ) ابن قيم الجوزية - إعلام الموقعين عن ربّ العالمين - ج 2 - ص 188 . ( 2 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 1 - ص 114 .