بن عيسى باطاهر

202

المقابلة في القرآن الكريم

يفعلوا ما يؤمرون به سواء عرفوا لما ذا أمروا أم لم يعرفوا ، ولكن القرآن يخاطب من أنزل عليه بمثل قوله : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] ، وقد فسروا البصيرة بالحجّة الواضحة ، ويستدل على قدرة اللّه وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته بالآيات الكونية ، وهي كثيرة جدا في القرآن ، وبالأدلة النظرية والعقلية كقوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] ، وغير ذلك ، ويستدل على الأحكام بما يترتب عليها من نفي المضرات والإفضاء إلى المنافع ، علّم القرآن أهله أن يطالبوا النّاس بالحجة ، لأنه أقامهم على سواء المحجّة ، وجدير بصاحب اليقين أن يطالب خصمه به ، ويدعوه إليه » « 1 » . وأهمية الاجتهاد ، وطلب البرهان ، وإقامة الحقائق على الحجّة واليقين تظهر في القرآن من خلال عده جوانب نذكر منها : أولا : إن القرآن ينظر إلى العقل نظرة احترام وتمجيد ، وكان هذا من أهم دعائم الإسلام ، فقد حث على التفكير والنظر في كل ما أبدع الخالق في الكون ، وجعل نفي الإكراه في الدين من أوضح الدلائل على استعلاء مكانة العقل في الإسلام ، « لأن الإرادة الإنسانية لا يحركها إلّا العقل الواعي الذي يميّز بين الأشياء » « 2 » ، قال العقاد : « لا يذكر القرآن العقل إلّا في مقام التعظيم ، والتنبيه إلى وجوب العمل به ، والرجوع إليه ، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية ، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة ، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحثّ فيها المؤمن على تحكيم عقله ، أو يلام فيها المفكّر على إهمال عقله ، وقبول الحجر عليه » « 3 » .

--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 1 - ص 425 . ( 2 ) محمد الدسوقي - الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية - ص 35 . ( 3 ) عباس محمود العقاد - التفكير فريضة إسلامية - ضمن المجموعة الكاملة للعقاد - ط 1 دار الكتاب اللبناني : بيروت ، 1974 - ج 5 - ص 283 .