بن عيسى باطاهر

192

المقابلة في القرآن الكريم

طلبه ، فإما أن يخيب في سعيه ، وإمّا أن يناله بعد أن تتقاذفه الأرزاء وتنتابه النوائب ، وتختلط عليه الحقائق ، فربّما يتوهم أنّه بلغ المقصود حتى إذا انتبه وجد نفسه في غير مراده ، ومثله قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور : 39 ] ، ومن أجل هذا شاع تشبيه العلم بالنور ، والجهل بالظلمة . ثانيا : هو مقام السلامة من نوائب الخطأ ومزلات المذلات ، فالعلم يعصمه علمه من ذلك ، والجاهل يريد السلامة فيقع في التهلكة . فإن الخطأ قد يوقع في الهلاك من حيث طلب الفوز ، ومثله قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] ، إذ مثّلهم بالتاجر خرج يطلب فوائد الربح من تجارته فآب بالخسران ، ولذلك يشبه سعي الجاهل بخبط العشواء ، ولذلك لم يزل أهل النصح يسهلون لطلبة العلم الوسائل التي تقيهم الوقوع فيما لا طائل تحته من أعمالهم . ثالثا : مقام أنس الانكشاف فالعالم تتميّز عنده المنافع والمضار وتنكشف له الحقائق فيكون مأنوسا بها واثقا بصحة إدراكه ، وكلّما انكشفت له حقيقة كان كمن لقي أنيسا بخلاف غير العالم بالأشياء فإنّه في حيرة من أمره حين تختلط عليه المتشابهات فلا يدري ما ذا يأخذ وما ذا يدع ، فإن اجتهد لنفسه خشي الزلل ، وإن قلّد خشي زلل مقلّده ، وهذا المعنى يدخل تحت قوله تعالى : كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [ البقرة : 20 ] . رابعا : مقام الغنى عن النّاس بمقدار العلم والمعلومات ، فكلّما ازداد علم العالم قوي غناه عن النّاس في دينه ودنياه . خامسا : الالتذاذ بالمعرفة ، وقد حصر فخر الدين الرازي اللذة في المعارف وهي لذة لا تقطعها الكثرة . سادسا : صدور الآثار النافعة في مدى العمر مما يكسب ثناء النّاس في العاجل ، وثواب اللّه في الآجل ، فإن العالم مصدر الإرشاد ، والعلم دليل على الخير وقائد إليه ، قال تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] .