بن عيسى باطاهر

193

المقابلة في القرآن الكريم

فهذه المقابلة التي يعقدها القرآن الكريم بين « العلم » و « الجهل » لها قيمة فكرية كبيرة هي بيان مكانة العلم في حياة النّاس ، وأهميته في بناء العقائد وتكوين المجتمعات . وسنزيد هذا الموضوع وضوحا لبيان منهج القرآن الكريم في تناول قضية « العلم » ونتعرض لبعض القيم الفكرية والدينية المستفادة من الآيات القرآنية ، فمن ذلك ما يلاحظ في القرآن من مفاضلة بين المؤمنين بالعلم والجهاد ، وجعلهما معا سياجا لحماية المجتمع « 1 » ، قال تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [ التوبة : 122 ] ، وسنتحدث عن قيم هذه الآية فيما بعد . ويلاحظ كذلك أنّ القرآن يعطي مكانة خاصة للعلماء قال تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] ، فهذا الربط بين العلم والإيمان ، وهذه المنزلة العظيمة للعلم يرجعان إلى طبيعة « العلم » « الذي شأنه في هذا شأن الإيمان في رفع إنسانية الإنسان ، وإعلاء منزلته ، فالإيمان هو في حقيقته علم ، والعلم في حقيقته إيمان ، وإن إيمانا لا يقوم على علم هو إيمان هزيل باهت لا يؤثر أثرا ، ولا يطلع زهرا ولا ثمرا ، وإنّ علما لا يفتح للعقل والقلب طريقا إلى الإيمان ، ولا تنقدح منه شرارت مضيئة ، تضيء للإنسان طريقه إلى اللّه هو نار تحرق ، أو دخان يعمي ، ويزكم الأنوف ، ويخنق الصدور ، وقد جمعت الآية الكريمة بين الإيمان والعلم ، وجعلت كلّا منهما صفة لموصوف . . . وذلك أنّ من النّاس من يبدأ الطريق بالعلم ثم يقوده هذا العلم إلى الإيمان ، ومنهم من يبدأ الطريق بالإيمان ثم يقوده الإيمان إلى العلم » « 2 » .

--> ( 1 ) عبد المجيد صبح - العلم والإيمان - ص 25 . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 5 - ص 833 .