بن عيسى باطاهر
191
المقابلة في القرآن الكريم
لقد حارب القرآن الكريم الجمود العلمي ، وحثّ على النظر والاستدلال ، وطلب الحقيقة الصادقة بأدلتها المقنعة للعقول ، قال تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 18 ] ، كما حارب القرآن الجمود العقلي ، وهو آفة من الآفات التي تتسرب إلى النفوس فتجعلها تقف أمام الحقائق موقفا معاندا ومكابرا ورافضا لكل أنواع الحجج والبراهين ، قال تعالى : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [ البقرة : 170 ] . إن الحديث عن أهمية العلم في القرآن الكريم يقودنا إلى تقرير هذه الحقيقة ، وهي أنّه لا يوجد دين من الأديان ، ولا مذهب من المذاهب اهتم بالعلم وحضّ عليه ، وبالغ في رفع منزلته ، وجعله سبب الفلاح في الآخرة ، والنجاح في الدنيا كاهتمام القرآن به ، وقد فاضل القرآن بين العلم والجهل فقال تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الزمر : 9 ] ، « والمقصود من الآية إثبات عدم المساواة بين الفريقين ، وعدم المساواة يكنّى به عن التفضيل ، والمراد تفضيل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون . . . أي لا يستوي الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هي عليه ، وتجري أعمالهم على حسب علمهم ، أما الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه بل تختلط عليهم الحقائق ، وتجري أعمالهم على غير انتظام ، كحال الذين توهموا الحجارة آلهة ، ووضعوا الكفر موضع الشكر » « 1 » . وعن هذه المقابلة بين « العلم » و « الجهل » استفاد محمد الطاهر بن عاشور القيم المعنوية التالية : أولا : الاهتداء إلى الشيء المقصود نواله بالعمل به ، وهو مقام العمل ، فالعالم بالشيء يهتدي إلى طرقه فيبلغ المقصود بيسر وفي قرب ، ويعلم ما هو من العمل أولى بالإقبال عنه ، وغير العالم به يضل مسالكه ، ويضيع زمانه في
--> ( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 23 - ص 349 ، 350 .