بن عيسى باطاهر

187

المقابلة في القرآن الكريم

« فالقرآن الكريم جعل أساس الإيمان بالدين هو الفكر ، وأساس العلم كذلك هو الفكر ، ولذلك اعتمد عليه القرآن في توصيل حقائقه إلى النفوس فقال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 ) [ يوسف : 2 ] . فمن يهدر العقل ، ولا يعترف به في مجال الدين فقد أهدر أعظم أدوات القرآن في التوجيه للإيمان ، وسلك به مسلك الأديان الأخرى التي لا تعتمد إلّا على الوجدان والمشاعر ، وعدم وضوح الرؤية العقلية للحقيقة الدينية الأولى » « 1 » . ومن الأدلة كذلك على عدم التفريق بين العلم والدين في الإسلام « أنّ القرآن يحتفي بالمادة في بيان سنن اللّه فيها وأسرارها ، ويحثّ على اكتشاف أبعادها ومخبّآتها ، ويرى العقل أنّ المادة ليست شيئا تافها أو حقيرا ، أو سجنا للروح ، أو مناقضة لها . . . وطبيعي أن يكون الاحتفاء ممثلا في العلم التام ، وبجزئياتها وسننها وقوانينها . وما دامت هي من عرش ربنا ومن معالم الطريق إلى معرفته ، إذن يكون العلم بها جزءا لأنّه مفتاح رؤية الطريق إلى معرفة اللّه - عزّ وجل - معرفة علمية » « 2 » . ويعد بيان أنّه لا تناقض بين « العلم » والدين في نظر القرآن الكريم ، يأتي الحديث عن الموضوع الهام الذي نريد التركيز عليه في هذه الدراسة ، وهو « العلم » ومفهومه في المنهج القرآني ، ثم نقف بعد ذلك عند الأهمية الخاصة التي يوليها القرآن لموضوع « العلم » ، وكيف قابل بينه وبين « الجهل » . العلم في المفهوم القرآني يشمل ثلاثة أنواع : الأول : وهو العلم المكتسب وهو من أعظم المميّزات التي وهبها اللّه للإنسان ، وهو مبني على مسلمات البداهة ، والفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ،

--> ( 1 ) العلم والإيمان في الإسلام - مجموعة من الباحثين - ط وزارة الشؤون الثقافية : تونس ، 1975 م - ص 86 . ( 2 ) نفسة - ص 87 .