بن عيسى باطاهر

188

المقابلة في القرآن الكريم

ومبني كذلك على قدرة العقل على إثبات الحقائق بالبرهان ، كقوانين الرياضيات ، وكاليقين العقلي الجازم بحتمية وجود الخالق ، إلى آخر الحقائق الدينية والكونية العقلية كوحدانية الخالق في خلقه ، وأبديته في ذاته ، وحتمية إحاطة علمه وقدرته بكل شيء ، وكعدله ورحمته . وهذا النوع من « العلم » هو المراد في قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ آل عمران : 18 ] . وفي قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمران : 7 ] . و « هذا النوع من العلم هو أعظم مقامات الإنسان ، لأنه يجعله شاهدا - مع اللّه الكبير المتعالي ، ومع ملئه الأعلى على أعظم حقيقة عقلية ودينية وكونية وهي وحدانية اللّه تعالى ، وقيّوميته على الوجود كلّه بالقسط ، وعلى عزّته وقوّته وحكمته » « 1 » ، « فالراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل ، وطبيعة التفكير البشري ، وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة ، أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ( 7 ) [ آل عمران : 7 ] ، وهم يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة ، ثمّ لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك ، لأنهم يدركون أنّ من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم ، وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه » « 2 » . الثاني : هو العلم المبني على التجارب الحسية في الطبيعة ، وعلى النظر والتأمل في كلّ ما خلق ، وعلى استخلاص قوانين التكوين والهدم والتسخير لقوى الطبيعة « 3 » ، وهو المستفاد من قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ( 28 ) [ فاطر : 28 ] .

--> ( 1 ) العلم والإيمان في الإسلام - لمجموعة من المؤلفين - ص 87 ، 88 . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 1 - ص 37 . ( 3 ) العلم والإيمان في الإسلام - مجموعة من المؤلفين - ص 88 .