بن عيسى باطاهر
186
المقابلة في القرآن الكريم
علماء المسلمين وفلاسفتهم وأطباؤهم القدماء ، وجميع المشتغلين منهم بقضايا العلم وقضايا الدين ، وإنّما عرفها بعض المسلمين المعاصرين الذين ليس لهم إلمام بالثقافة الإسلامية ، بعد اتصالهم بالعالم الغربي المسيحي الذي شغلته هذه القضية منذ بدء النهضة الأوروبية الحديثة ، وظهور بعض الحقائق والنظريات العلمية التي تخالف النصوص الدينية المسيحية أو تناقضها ، إذ أنّ الدين في صورته المحرّفة عندهم غير عقلي ولا علمي ، وطبيعي أن يحتدم الصراع عندهم بين رجال الدين ورجال العلم احتداما بالغا ، وخاصة بعد هجوم الكشوف العلمية على الطبيعية وأسرارها ، وتسخير قواها في التكوين والتخريب » « 1 » . فالبحث في علاقة الدين بالعلم هو بحث غريب على الفكر الإسلامي أصلا ، لأنّ تربته الأصلية التي وجد فيها هي « أوروبا » حيث احتدم الصراع بين رجال الكنيسة ، ورجال الدين ، ومنه انبثق ذلك الفصام بين العلم والدين والذي قاد « أوروبا » إلى اتخاذ موقف معارض للدين ، أمّا في بلاد الإسلام فلم يبحث هذا الموضوع أصلا لغرابته ومخالفته لمبادئ القرآن الكريم ، وروح الدين الإسلامي . فمن الدلائل القاطعة على أنّ موضوع العلم وموضوع الدين واحد ، أنّ القرآن جعل الاعتماد الأكبر على الفكر في الإيمان باللّه الخالق ، ومعرفة صفاته سبحانه ، وفي استمداد ذلك من الكون المادي ، كما يعتمد العلماء الماديون على الفكر في فهم الطبيعة ، واستخراج قوانينها ، وتقرير حقائقها ، وكشف أسرارها ، وقد بيّن القرآن الكريم أنّ الكون المادي الذي نراه هو من العرش العظيم للّه الخالق ، ونحن نراه رأي العين ، ونوقن منه يقين القلب ، بعد جزم العقل بوجود اللّه ، ووحدانية ذاته الأقدس ، متجليا ذلك كلّه فيما خلق وما أبدع . ومن لا يستنبط من الكون ناموسه الأكبر ، وسره الأعظم الذي يدلّ على خالقه الأوحد فهو حقيق بألّا يوصف بالعلم أو الفكر .
--> ( 1 ) نفسة - ص 83 .