بن عيسى باطاهر

185

المقابلة في القرآن الكريم

و « جملة القول فإن العلم هو محاولة لاكتشاف العالم المحسوس ، ومعرفة العلاقات المتداخلة والمنسقة للحقائق ، ذلك أنّ الحقائق المنعزلة لا تقيم علما ، ومن ثمّ فلا بدّ من اكتشاف الصلة بينها وبين بعضها البعض » « 1 » . فالعلم أصبح في العصر الحاضر جزءا من ثقافة الأمة ، وأصبح معلما من معالم المدنية والتحضر ، وفي مقابل ذلك أصبح الجهل دليلا على التخلّف ، وغدا منافيا لقيم الحضارة والتقدم ، وأصبحت الأمم تعطي أهمية بالغة للعلم من حيث طلبه وتوفير وسائله والإنفاق عليه ، وسعت في مقابل ذلك إلى محاربة الفقر بكل الوسائل الممكنة لاقتناعها بالدور الذي أصبح يؤديه « العلم » في بناء المجتمعات بناء قويا متينا . وقبل الحديث عن ثنائية « العلم » و « الجهل » في القرآن الكريم لا بدّ من الإشارة إلى قضية هامة أثارت جدلا عند بعض الدارسين والمفكرين قديما وحديثا وهي علاقة العلم بالدين ، وهل تتنافى حقيقة قيم العلم مع قيم الدين ؟ وما هي الصورة الحقيقة لهذه القضية في الشريعة الإسلامية ؟ وشبهة القائلين بتنافر العلاقة بين العلم والدين تستند إلى أنّ الأفكار المتطورة الحديثة تؤكد أنّ « الحقيقة » ليست إلّا ما يمكن فحصه وتجربته علميا ، وقد قام « الدين » على « حقيقة » لا سبيل إلى مشاهدتها وفحصها علميا ، وبعبارة أخرى : إن التفسير الديني للأحداث والوقائع لا يمكن إثباته بالوسائل العلمية ، فهو باطل لا حقيقة له ، ويترتب على هذا القول « أن الدين تفسير زائف لوقائع حقيقية » « 2 » . والردّ على هذا الزعم يرتكز على أنّ « قضية الخلاف المزعوم بين العلم والدين هي من أهمّ القضايا الوافدة إلى البلاد الإسلامية ، وهي قضية لم يعرفها

--> ( 1 ) نفسه - ص 16 . ( 2 ) العلم والإيمان في الإسلام - مجموعة من الباحثين - ط وزارة الشؤون الثقافية : تونس ، 1975 م - ص 93 .