بن عيسى باطاهر

174

المقابلة في القرآن الكريم

العقائد وأصول الدين ، وحتموا الاعتصام فيهما بالمأثور من غير تأويل ، وخصوا الاجتهاد بالأحكام العملية ، ولا سيّما المعاملات ، وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية ولا يكلّفه موافقته في فهمه » « 1 » . وقد كانت عنايته بالاجتماع والوحدة كبيرة لما لهما من أهمية كبيرة في واقع الناس وواقع المجتمعات ، وقد عني بإحكام الرابطة بين المسلمين لكي تنمحي الفوارق بينهم ، وتختفي فيها الطبقات ، ويتساوى فيها جميع الأفراد في منازلهم وحقوقهم وواجباتهم ، كما يتساوى الإخوة في الأسرة الواحدة » « 2 » . وأراد القرآن أن يجعل لهذه « الوحدة وتلك الرابطة ما لرابطة الأخوة من القوة والمكانة ، والحرص على صيانتها ، والبعد بها عن أن تتعرض لمعاول الهدم والتفريق وأسباب الخصومة والنزاع ، فنزل قوله تعالى في سورة الحجرات : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [ الحجرات : 10 ] ، بيانا لمنزلة هذه الرابطة ، وإيجابا لصيانتها بالإصلاح بين أفرادها إذا ما اشتجر بينهم خلاف ، أو عصفت فيهم ريح الفرقة ، وليس أدلّ على مكانتها من أن يعدها اللّه نعمة يمنّ بها عليهم ، ويدعوهم إلى الحرص عليها ، ويحذرهم من الفرقة بعد اعتصامهم بها ، إذ يقول في سورة آل عمران : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] ، وقوله أيضا : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) [ آل عمران : 105 ] « 3 » . ويأتي النهي عن الفرقة دائما في سياق الدعوة إلى الوحدة ونبذ أسباب الاختلاف في الدين ، أو في سياق الدعوة إلى عبادة اللّه والتمسك بحبله المتين ، ومن جملة هذه الآيات قوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ

--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية - ط دار المنار : مصر ص 130 . ( 2 ) ينظر : الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة - ص 142 . ( 3 ) الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة - ص 142 - 143 .