بن عيسى باطاهر

175

المقابلة في القرآن الكريم

مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 213 ] . فهذه الآية تبين مسيرة البشر في الحياة وتحولاتهم من الحق إلى الباطل ، ومن الاجتماع إلى الفرقة والاختلاف فقد كان الناس في البداية مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء ، ليس لهم نور ولا إيمان ، فرحمهم اللّه تعالى بإرسال الرسل إليهم مبشرين من أطاع اللّه بثمرات الطاعات من الرزق ، والقوة في البدن والقلب ، والحياة الطيبة ، وأعلى ذلك الفوز برضوان اللّه والجنة ، ومنذرين من عصى اللّه بثمرات المعصية من حرمان الرزق والضعف والإهانة والحياة الضيقة ، وأشد ذلك سخط اللّه والنار و وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وهو الإخبارات الصادقة ، والأوامر العادلة ، فكلّ ما اشتملت عليه الكتب الإلهية فهو حق ، يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع ، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع ، أن يردّ الاختلاف والتنازع إلى اللّه وإلى رسوله ، ولولا أنّ في كتابه وسنّة رسوله فصل النزاع لما أمر بالردّ إليهما ، ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب ، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم ، أخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض ، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف ، فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه ، وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات ، والأدلة القاطعات ، وضلّوا بذلك ضلالا بعيدا » « 1 » . فسبب الفرقة التي حصلت وتحصل للناس على مرّ الأزمان والعصور يعلّلها القرآن دائما بكثرة الاختلاف في الكتاب ، والتنازع في الدين ، وعدم الرد إليهما حين يشتد الخصام والجدال حول القضايا المختلف فيها .

--> ( 1 ) عبد الرحمن بن ناصر السعدي - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان - تحقيق محمد زهري النجار - ط 2 عالم الكتب : بيروت 1993 م - ج 1 - ص 190 .