بن عيسى باطاهر
163
المقابلة في القرآن الكريم
جميع القيم الروحية ، أمّا القرآن الكريم فقد وازن بين المادة والروح ، ونظر إلى الإنسان على أنّه وحدة لا تنفصل فيها حاجاته الروحية عن حاجاته المادية « 1 » . وإنّ العدالة الاجتماعية التي جاء بها القرآن متأثرة بالتصور الإسلامي ، والعقيدة الدينية ، وإن طبيعة نظرة القرآن إلى الحياة الإنسانية تجعل العدالة الاجتماعية عدالة إنسانية شاملة لكل مقومات الحياة الإنسانية ، ولا تقف عند الماديات والاقتصاديات ، وأنّ القيم في هذه الحياة المادية معنوية في الوقت ذاته « 2 » . وقبل الحديث عن الأسس التي قام عليها العدل الاجتماعي في القرآن سنتحدث عن بعض خصائص العدل الاجتماعي الإسلامي من خلال مقارنة بينه وبين العدل الذي تدعو إليه الشيوعية ، وتدعي أنّها تستطيع تحقيقه بين الناس . أ - ينظر القرآن الكريم إلى قضية العدل نظرة شمولية ، ويرى « أنّ الظلم المنصب على الإنسان لا يقتصر على حجب حاجاته البيولوجية الأساسية فحسب ، بل يتجاوزها إلى مظالم أخرى أصعب وأعتى ، وأشد تعقيدا منها : حجب حريته ، وكبت تعبيره الذاتي ، ووقف مطامحه ، وسمو تفرده . . وبينما ينظر الإسلام إلى الإنسان كسيّد حر على الأرض مستخلف فيها لإعمارها وتطويرها بملء إرادته ، وإلى الأرض والطبيعة والعالم كأرضية مسخّرة سننها ونواميسها وطاقاتها المذخورة للإنسان كي يحقق هدفه ذاك ، نجد أن الشيوعية - كنتيجة لمنطلقها المادي الصرف - تحصر مدى ( العدل ) في تنفيذ مطالب الإنسان المادية فحسب ، وتغفل ، بل تقف - حرصا منها على تنفيذ وحماية سمتها الطبقية ونزعتها الجماعية - بمواجهة سائر المطالب الأخرى روحية ونفسية وفكرية ووجدانية واجتماعية » « 3 » .
--> ( 1 ) سيد قطب - العدالة الاجتماعية في الإسلام - ص 28 . ( 2 ) سيد قطب - العدالة الاجتماعية في الإسلام - ص 34 . ( 3 ) عماد الدين خليل - العدل الاجتماعي - ط مؤسسة الرسالة - ص 15 .