بن عيسى باطاهر
160
المقابلة في القرآن الكريم
عام شامل ، حيث يعدل الإنسان مع نفسه ، فلا يجور عليها بإلقائها في التهلكة ، وسوقها إلى مواقع الإثم والضلال . . ويعدل مع النّاس فلا يعتدي على حقوقهم ، ولا يمد يده إلى ما ليس له ، ويعدل مع خالقه ، فلا يجحد ولا يكفر بنعمته ، ولا ينكر وجوده وقيوميته عليه ، وعلى كل موجود » « 1 » . وقد نهى اللّه سبحانه في مقابل أمره بالعدل عن الفحشاء والمنكر والبغي ، والبغي هو الجور والظلم وهو مجانب للعدل والإحسان . وقال تعالى أيضا : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً [ النساء : 58 ] . قال الشوكاني ( - 1255 ه ) : « هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع ، لأنّ الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات ، وقد روي عن علي وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أنّها خطاب لولاة المسلمين ، والأول أظهر ، وورودها على سبب كما سيأتي لا ينافي ما فيها من العموم ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول ، وتدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا ، فيجب عليهم تأديه ما لديهم من الأمانات وردّ الظلامات ، وتحري العدل في أحكامهم . . والعدل هو فصل لحكومة على ما في كتاب اللّه سبحانه وسنّة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، لا الحكم بالرأي المجرد ، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل لتلك الحكومة في كتاب اللّه ولا سنّة رسوله ، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم اللّه سبحانه ، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص » « 2 » . فغاية الشريعة الإسلامية تطبيق المنهج القرآني الذي يدعو إلى العدل وتطبيقه بين الناس ، قال ابن قيم الجوزية ( - 751 ه ) : « إن اللّه سبحانه وتعالى
--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 350 . ( 2 ) تفسير فتح القدير - ج 1 - ص 719 .