بن عيسى باطاهر
161
المقابلة في القرآن الكريم
أرسل رسله ، وأنزل كتبه ، ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات ، فإذا ظهرت أمارات العدل ، وأسفرت - بأيّ طريق كان - فثمّ شرع اللّه ودينه ، واللّه سبحانه أعلم وأحكم » « 1 » . فالعدل مرتبط ارتباطا وثيقا بالتصور الإسلامي العام ، وبقضية الوحدانية التي عرضنا لها في فصل سابق ، فالإسلام هو العدل بعينه ، وهو دين الحق الذي أنزله خالق الكون وربّه لهداية الإنسان ، فإقامة العدل بين الناس ، وتحديد ما هو العدل ، وما هو الظلم والجور إنّما هو من شأن خالق الإنسان وربّه ، ولا حق لمن سواه في أن يضع للناس مقياسا للعدل والظلم ، إذ الإنسان ليس مالكا لنفسه ولا حاكمها حتى يحقّ له اختيار معيار للعدل من تلقاء نفسه ، لأن مكانته في العالم ليست إلا أنّه عبد مملوك للّه تعالى ، والإنسان مهما كانت له شخصية بارزة ، ومهما بذل الكثير من الجهود في اختيار طريق للعدل لا يستطيع الوصول إليه أبدا ، وذلك لأن محدودية علم الإنسان ، وقصور فكره ، واستيلاء أهوائه وعصبياته على عقليته لا مناص منها في حال من الأحوال ، فليس من الممكن أن يضع الإنسان لنفسه نظاما يتجرد من نقائصه البشرية ويحقق العدل الحقيقي بمعنى الكلمة ، وربّما شوهدت في بداية الأمر مظاهر العدالة في هذا النظام ليس من العدل في شيء ، فكل نظام وضعه الإنسان ثبت نقصه وقصوره في آخر الأمر » « 2 » . فالعدل الاجتماعي الذي يدعو إليه القرآن الكريم هو حق من حقوق الوحدانية ، قال سيد قطب : « الإسلام دين الوحدة بين العبادة والمعاملة ، والعقيدة والشريعة ، والروحيات والماديات ، والقيم الاقتصادية والقيم المعنوية ،
--> ( 1 ) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ص 112 . ( 2 ) المودودي أبو الأعلى - العدالة الاجتماعية حقيقتها وسبيل تحقيقها - ط مكتبة دار البيان : الكويت - ص 10 ، 11 .