بن عيسى باطاهر

154

المقابلة في القرآن الكريم

إنّ نظرة أولئك الذين يظنون أنّ القرآن يحبّذ الفقر ويندب إليه ، ويكافئ على البؤس والحرمان ، ويكره الثروة والغنى وجمع الأموال هي نظرة خاطئة مردودة لا تعبّر عن الموقف القرآني الصحيح الذي - كما ذكر في السابق - دعا إلى مقت الفقر ، ومحاربة الحالات التي تسوق الإنسان إلى الذلّ والحاجة والمهانة « 1 » . ويبقى أن نذكر الآن أنّ الحكمة من ثنائية الفقر والغنى التي جعلها اللّه في الحياة بين الناس ، وفضّل على أساسها بعضهم على بعض وجعل بعضهم فوق بعض درجات هي للابتلاء والاختبار ولمعرفة الخبيث من الطيّب في الجزاء الأخروي ، قال تعالى : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ النحل : 71 ] . وقال الفيروزآبادي ( - 817 ه ) : « اعلم أنّ الفقر والغنى ابتلاء لعبده كما قال تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ [ الفجر : 15 - 17 ] ، أي ليس كل من أعطيته ووسّعت عليه فقد أكرمته ، ولا كل من ضيّقت عليه وقترت عليه الرزق فقد أهنته ، والإكرام أن يكرم العبد بطاعته ومحبته ومعرفته ، والإهانة أن يسلبه ذلك ، ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل بالتقوى ، وقال بعضهم : هذه مسألة محال أيضا من وجه آخر ، وهو أن كلّا من الغني والفقير لا بدّ له من صبر وشكر ، فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر ، بل قد يكون قسط الغني من الصبر أوفر ، لأنه يصبر عن قدرة ، فصبره أتمّ من صبر من يصبر عن عجز ، ويكون شكر الفقير أتمّ ، لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة اللّه ، والفقير أعظم فراغا بالشكر من الغنيّ ، وكلاهما لا يقوم قائمة إيمانه إلا على ساق الصبر والشكر » « 2 » .

--> ( 1 ) ينظر محمد الغروي - الفقراء في ظل الرأسمالية والماركسية والإسلام - ص 78 . ( 2 ) بصائر ذوي التمييز - ج 4 - ص 208 .