بن عيسى باطاهر

155

المقابلة في القرآن الكريم

فحكمة الابتلاء هي التعليل القرآني الواضح لقضية التفريق بين الناس في الغنى والفقر ، وهي الحكمة التي علّل بها القرآن الوجود الإنساني كلّه . قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [ الملك : 2 ] . ونمضي الآن مع سورة التوبة وتناولها لهذه القضية الهامة في جانب من آياتها ونبدأ بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ التوبة : 28 ] . ففي هذه الآية حديث عن الفقر والغنى في صورة متقابلة متضادة ، فالعلية هي الفقر الذي خشي منه المؤمنون بعد منع المشركين من الحج والقرب من المسجد الحرام ، والغنى هو الرزق الذي وعد اللّه به المؤمنين بعد تنفيذ أمره ، قال ابن عباس : « كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتّجرون فيه ، فلمّا نهوا أن يأتوا البيت قال المسلمون : فمن أين لنا الطعام ، فأنزل اللّه وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً . . الخ قال : فأنزل اللّه عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم » « 1 » . فوعد اللّه بالغنى للمؤمنين قد تحقق بعد منع المشركين من دخول بيت اللّه الحرام مباشرة ، وكان هذا الغنى من فضل اللّه على العرب ، فقد « أغنى سائر المسلمين جميع أنواع الغنى ، فتح لهم البلاد ، وسخّر لهم العباد ، فكثرت الغنائم والخراج ، ومهّد لهم سبل الملك والملك وكان نصيب مكة نفسها من ذلك عظيما بكثرة الحاج وأمن طرق التجارة » « 2 » . والقيمة الاقتصادية التي يمكن أن تستفاد من الآية أنّ وعد اللّه بالغنى بعد تنفيذ الأمر لا يعني ترك الأسباب الداعية إلى العمل والتحرك نحو الغنى ، فمن

--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 ص 278 . ( 2 ) نفسه - ج 10 - ص 278 .