بن عيسى باطاهر

153

المقابلة في القرآن الكريم

فهذه الآية تحثّ على طلب الرزق ، وابتغاء الغنى بعد أداء الواجبات الدينية ، وجاءت صيغة هذه الدعوة بالأمر الذي يفيد الوجوب ويجعل من هذا الأمر فرضا من الفرائض . وكما أن القرآن الكريم قد جعل من الغنى نعمة من النعم الإلهية فإنه في الجانب المقابل قد جعل الفقر نقمة على الإنسان وحياته ، ومشكلة من المشكلات الخطيرة التي يجب التصدي لها وعلاجها قبل أن تفتك بالفرد ثم المجتمع ، فخطورته تأتي من عدّة نواح : أولها : أنّ الفقر خطر على التصور والعقيدة ، فالفقير قد يتسرب إليه الشك في عدالة السماء لما يرى في نفسه من بؤس وشقاء ، وما يراه من حوله من غنى وترف ، وهذا الانحراف في العقيدة قد يدعوه إلى الكفر باللّه ، والسخط على قضاء اللّه . وثانيها : أن الفقر خطر على السلوك والأخلاق لأن الفقير المحروم كثيرا ما يدفعه بؤسه إلى سلوك ما لا ترضاه الفضيلة والخلق الكريم . وثالثها : أن الفقر خطر على الفكر الإنساني لأن الفقير الذي لا يجد ضرورات الحياة وحاجاتها لا يستطيع أن يكفر تفكيرا سليما وبخاصة إذا فقد التصور الصحيح والعقيدة السليمة . ورابعها : أنّ الفقر خطر على الأسرة والمجتمع ، فنجد أن الفقر قد يكون مانعا من أكبر الموانع التي تقف أمام أداء الواجبات الأسرية مثل الزواج وطلب العفاف بل قد يكون سببا في حصول الفساد الأسري مثل الطلاق وغيره ، وقديما في الجاهلية قتل الآباء أولادهم خشية الفقر ، والفقر كذلك خطر على المجتمع وتماسكه وأمنه ، وهو خطر على سيادة الأمة وحريتها واستقلالها ، فالبائس المحتاج لا يجد في صدره حماسة الدفاع عن وطنه ، والذود عن حرمات أمته ، فإن وطنه لم يطعمه من جوع ولم يأمنه من خوف ، وأمته لم تمد إليه يد العون لتنشله من الشقاء « 1 » .

--> ( 1 ) ينظر تفصيل ذلك في مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام ، يوسف القرضاوي ص 18 - 24 .