بن عيسى باطاهر

148

المقابلة في القرآن الكريم

وأما الغنى فهو عدم الحاجة بالكلية ، وليس ذلك إلا اللّه تعالى ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ لقمان : 26 ] ، ويكون الغنى بعامة بمعنى قلة ، وفي هذا المعنى قال تعالى : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى : 8 ] . قال الخازن ( - 725 ه ) : « يعني فقيرا فأغناك بمال خديجة بالغنائم ، وقيل : أرضاك بما أعطاك من الرزق ، وهذه حقيقة الغنى ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس » والعرض بفتح العين والراء : المال » « 1 » . فالفقر وضده الغنى من الثنائيات التي اهتم بها القرآن في بعض آياته ، إذ هي من القضايا التي تهمّ الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض ، وذلك لارتباط حياة الإنسان بمجموعة من الحاجات الضرورية التي يحتاجها في عيشه ، وهذه الحاجات لا غنى للإنسان عنها ، وقد فطر اللّه الإنسان على البحث على ما ينفعه ودفع ما يضره ، وسخّره وأمدّه بالوسائل والطاقات الضرورية كي يحقق وجوده ، ويلبي رغباته الجسدية والروحية ، فالإنسان في حركته إنما يسعى إلى عمارة الأرض وفق المنهج الذي يختاره ، وهو بذلك في سعي دائم إلى جمع ما يحتاجه من رزق ، وهو في حركة دءوبة ، وعمل مستمر للابتعاد عن دائرة الفقر التي قد تقيده وتمنع حركته ، وهو يرنو دائما إلى الغنى الذي قد يحقق حاجاته ويلبي طموحاته ، وهذه الحركة الدائبة للإنسان هي جبلّة فطر اللّه الناس عليها لتحقيق عمارة الأرض ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [ الملك : 15 ] . فالآية واضحة وصريحة في أن الطبيعة مائدة اللّه المبسوطة أمام الإنسان مهما كان دينه واتجاهه ومبدؤه لكي يرتزق منها ويتناول من طيّباتها « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الخازن المسمى لباب التأويل - ط المكتبة التجارية الكبرى : مصر - ج 7 - ص 216 . ( 2 ) محمد الغروي - الفقراء في ظل الرأسمالية والماركسية والإسلام - ط دار التعارف : بيروت - ص 6 .