بن عيسى باطاهر

149

المقابلة في القرآن الكريم

والغنى في تصوّر البشر ليس مشكلة تحتاج إلى دراسة وعلاج ، ولكنّها في المنهج القرآني تعد من المشكلات التي تحتاج إلى نظر وعلاج مثلها مثل الفقر ، أما المشكلة الحقيقة التي لا تختلف حولها المناهج البشرية والسماوية فهي الفقر ، « فقد عرفت الإنسانية الفقر والفقراء منذ أزمنة ضاربة في أغوار التاريخ ، وحاولت الأديان والفلسفات منذ القدم أن تحل مشكلة الفقر ، وتخفّف من عذاب الفقر . . حينا عن طريق الوصايا والمواعظ والترغيب والترهيب ، وتارة عن طريق التحليق النظري في عالم مثالي لا تفاضل فيه ولا طبقات ولا فقر ولا حرمان ، وهو عالم يرسم على صفحات الكتب لا في واقع الناس ، وأبرز مثل لذلك جمهورية أفلاطون ، قبل بضعة قرون من ميلاد المسيح ، وطورا عن طريق حركات متطرفة تريد معالجة الانحراف الواقع بانحراف أشدّ منه » « 1 » . ومشكلة الفقر تبقى من القضايا المسيطرة على عقول الناس وقلوبهم ، وقد اتخذها بعضهم وسيلة من الوسائل التي تؤثر في الناس لأهداف ومقاصد بعيدة عن المنهج الإلهي الصحيح ، وذلك راجع لأهمية الفقر في حياة الإنسان ولخطورته على مذاهبهم وتصوراتهم الفكرية على غرار مذاهبهم وموافقهم العملية . وقبل الحديث عن منهج القرآن الكريم في تناول مشكلة الفقر والغنى لا بدّ أن نقف عند الفلسفة الاقتصادية الحديثة وبعض المذاهب الفكرية القديمة لنرى مواقفها من الفقر بالذات باعتباره هو مشكلة من المشكلات ونقف عند نظرتها إلى الحل الأمثل لمعالجة هذه المشكلة الخطيرة . أ - موقف بعض المتصوّفين والرهبان من المقدّسين للفقر : إنّ نظرة المتصوّفين والمتزهدين من العبّاد إلى الحياة بأنها كلها فساد ، والدنيا كلّها شرّ وبلاء ، والخير كل الخير في التعجيل بفناء هذا العالم جعلها تقف من الفقر موقفا غريبا إذ لا ترى هذه الطائفة فيه شرا يجب الخلاص منه ،

--> ( 1 ) يوسف القرضاوي - مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام - ط دار التعارف : بيروت ص 80 .