بن عيسى باطاهر
141
المقابلة في القرآن الكريم
استواء الفريقين ونفي اهتداء الظالمين إلى الحكم الصحيح في موضوع المفاضلة بينهما وإن اقتضيا بمعونة السياق تفضيل فريق المؤمنين المجاهدين على فريق السدنة والسقائين - لا يعرف أحد كنه هذا الفضل ولا درجة أهله عند اللّه تعالى وكان ذلك مما يتشرف له التالي والسامع بيّنه تبارك اسمه بيانا مستأنفا يتضمن الرد على المؤمنين الذين تنازعوا في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الأعمال بعد الإسلام أفضل فقال : الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ . . أي أعظم درجة وأعلى مقاما في الفضل والكمال في حكم اللّه ، وأكبر مثوبة في جوار اللّه من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام الذين رأى بعض المسلمين أنّ عملهم أفضل القربات بعد هداية الإسلام « 1 » . والقيمة الأخرى التي يمكن أن تستفاد من المقابلة بين المؤمنين المجاهدين وغيرهم من القاعدين لخدمة المساجد وإعمار البيوت وخدمة الحجيج أن ميزان اللّه هو الميزان وأن تقديره هو التقدير ، فاللّه يهتم بإخلاص العمل لوجهه الكريم ، وأن يكون صوابا موافقا للشرع ، وهؤلاء القاعدون لم يكونوا يملكون من نوايا العبادة الخالصة للّه شيئا ، ولذلك جاءت الموازنة بينهم وبين المؤمنين المجاهدين لتجعلهم في مرتبة أدنى من المرتبة التي ظنّ الناس أنهم بها هم الفائزون ، قال سيد قطب : « إنما يتوجّه القلب وتعمل الجوارح ، ثم يكافئ اللّه على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح ، هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت اللّه ، وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبيّنها اللّه للمسلمين والمشركين ، فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية ، وعقيدتهم ليست خالصة للّه ، ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد ، لا يجوز أن يسوى هؤلاء لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل اللّه وإعلاء كلمته أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [ التوبة : 19 ] .
--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 219 - 220 .