بن عيسى باطاهر

142

المقابلة في القرآن الكريم

والآيات كما هو ملاحظ تعتمد على طريقة المقابلة في العرض ، فقد قابلت بين نموذجين من النماذج البشرية : النموذج الأول هم أولئك الذين قعدوا عن تكاليف الإيمان والجهاد ، واعتبروا أن عمارة المسجد الحرام وخدمة الحجيج هي من أفضل الأعمال عند اللّه ، أما النموذج الثاني فهم المؤمنون المجاهدون الذين أخلصوا عبادتهم للّه ، فهذان النموذجان المتقابلان تقابل تضاد واختلاف من حيث العمل وإخلاصه ، ومن حيث الجزاء والثواب اللذين ينتظرانهما ، قال عنهما سبحانه لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ فالمقابلة من هذا الجانب قد أفرزت جانب الحق وميّزته عن الباطل ، وجعلت المفاضلة على أساس صحة العمل والإخلاص فيه لوجه اللّه وحده ، وجعلت فضل الجهاد عند اللّه أفضل من القعود والتخلّف عنه حتى ولو كان لأمر فيه مصلحة كعمارة المساجد وسقاية الحجيج . قال ابن تيمية - رحمه اللّه - ( - 728 ه ) : « الجهاد سنام العمل وقد انتظم سنام جميع الأحوال الشريفة ، ففيه سنام المحبة . . وفيه سنام التوكل والصبر وفيه الهداية ، وفيه حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الآخرة . . وفيه حقيقة الإخلاص ، فإن الكلام فيمن جاهد لا في سبيل الرئاسة ولا في سبيل المال ولا في سبيل الحمية ، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كلّه للّه ، ولتكون كلمة اللّه هي العليا ، وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود » « 1 » . وقال تعالى في سورة التوبة : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [ التوبة : 44 - 46 ] . سورة التوبة هي الفاضحة والكاشفة لجميع أنواع النفاق الظاهرة والباطنة ، وهذه الآيات في سياق بيان الفرق بينهم وبين المؤمنين في أمر الجهاد .

--> ( 1 ) الفتاوى - ج 28 - ص 441 - 442 .