بن عيسى باطاهر
136
المقابلة في القرآن الكريم
وقد أثار المستشرقون وأعداء الإسلام شبهات كثيرة حول الجهاد وعدوه من أسباب الضرر والفساد في الأرض ، وعدّوه تعديا على الناس بالسيف وحملهم بالإكراه على اعتناق الإسلام ، وكيف وظاهر الإسلام وباطنه جميعا سلم وسلام ، فاسمه « الإسلام » مشتق من السلام والسلامة والسلم ، وشارات التحية بين أتباعه ، ومن أتباعه السلام والرحمة والبركة ، أما شريعته وأحكامه فكلها قائمة على اليسر والرحمة والسلام بين الإنسان ونفسه ، وبينه وبين الناس جميعا ، وحقا إن الإسلام قد دعا أتباعه إلى الحذر من العدو ، والإعداد للحرب ، والأخذ بأسباب القوة ، وذلك لأن الإسلام دين واقعي ، يعايش الحياة في أعدل أحوالها ، ويستقي من أعذب عيونها ، وأصفى مواردها ، وليس مجرد أحكام ومقررات نظرية ، يتمثلها الناس ولا يحققونها ، ويتصورونها ولا يتعاملون بها ، أشبه بما وقع في تصورات الفلاسفة وخيالات الشعراء أن يتعدّ بها أصحابها في أحلام يقظتهم ، فإنهم لم يمسكوا منها بشيء إذ هم فتحوا أعينهم على الحياة وواقعها « 1 » . ويمكن أن نرد على أولئك الرافضين لفكرة الجهاد التي جاء بها الإسلام وحثّ عليها القرآن بأن نقول : إن قولكم بأن الإسلام دين قائم على السيف « دعوى كاذبة مضلة يراد بها النيل من المسلمين ودولتهم كما يراد بها النيل من الإسلام وشريعته . . إنّها دعوة خبيثة مسمومة ، يراد بها أن تنهزم في نفس المسلم معاني العزّة والقوة ، لأنه إن أراد أن يسقط تلك الدعوى الباطلة ، ويدفع هذه التهمة الظالمة ، كان أقرب سبيل إليه هو أن يتجرد من كل سلاح ، وأن يتعرى من كل قوة . . وما حاجته إلى السلاح إن كان السلاح سبّة تدين دينه ، وتريه منه أنّه دين بداوة وهمجية ، وشريعة غاب ، يحكم مجتمعها التناطح بالقرون ، والتقاتل بالمخاطب والأنياب » « 2 » .
--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 - ص 653 . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 - ص 656 .