بن عيسى باطاهر
123
المقابلة في القرآن الكريم
البعث والجزاء ورفضهم لفكرة الجنّة والنار « 1 » ، قال تعالى : وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) [ الإسراء : 49 - 51 ] . وهؤلاء الذين أنكروا الجنة والنار ، والبعث والجزاء قديما هم الكفرة المنكرون لوجود اللّه ، والفلاسفة الذين أطلق عليهم الغزالي ( - 505 ه ) « الطبيعيين » ، وهم الماديون الذين لا يؤمنون بما وراء المادة ، وينكرون أمور الغيب ، يقول الغزالي - رحمه اللّه - : « الطبيعيون قوم أكثروا بحثهم في عالم الطبيعة ، وعن عجائب الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات فرأوا فيها من عجائب صنع اللّه تعالى ، وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطّلع على غايات الأمور ومقاصدها ، ولا يطالع علم التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلّا يحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير المباني لبنية الحيوان لا سيما الإنسان إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ، ظهر عندهم لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به ، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا وأنها تبطل بطلان مزاجه فينعدم ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا ، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة ، وأنكروا الجنة والنار ، والحشر والنشر والقيامة والحساب ، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب فانحلّ عنهم اللجام وانهمكوا في الشهوات انهماك الأنعام » « 2 » . وقال الراغب الأصفهاني : « لم ينكر أمر المعاد والنشأة الأخرى إلا جماعة من الطبيعيين ، أهملوا أفكارهم ، وجهلوا أقدارهم ، وشغلهم عن التفكير في
--> ( 1 ) ينظر زاهر عوض الألمعي - مناهج الجدل في القرآن - ط 3 مطابع الفرزدق الرياض 1404 ه ص 309 . ( 2 ) المنقذ من الضلال - تحقيق عبد الحليم محمود - ط دار النصر القاهرة ص 76 - 77 .