بن عيسى باطاهر
124
المقابلة في القرآن الكريم
مبدئهم ومنشئهم شغفهم بما زيّن لهم من حب الشهوات » ، ثم يقول في الرد عليهم : « فلو لم يكن للإنسان غاية ينتهي إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصبا وهما وحزنا ، ولا يكون بعدها حال مغبوطة لكان أخس البهائم أحسن حالا من الإنسان » « 1 » . ومن الطوائف الإنسانية التي أنكرت الجزاء الأخروي لاعتمادها على دلائل العقل ، ومعطيات المادة طائفة تدّعي تناسخ الأرواح ، وهي من الطوائف التي لم تستسغ تأجيل الحساب والجزاء إلى حياة أخرى بعد هذه الحياة ، فرأت أن الروح تنتقل من جسد إلى جسد ، فتنال جزاءها فيه ، فإن كانت الروح خيّرة حلت في جسد تجد فيه راحة ونعيما ، وإن كانت آثمة حلّت في جسد تلقى فيه البلاء والمشقة ، وهذه الطائفة القائلة بالتناسخ تنكر أن تكون هناك حياة أخرى يلقى فيها الإنسان جزاءه « 2 » ، ولكن نقول في الرد عليها بأنه لا بدّ من دار يجازى فيها المحسن والمسئ ، فيطمئن المحسن إلى إحسانه ، ويشقى المسئ بإساءته ، وهذا هو منطق العدل الإلهي الذي يؤمن به العقل ، وترتاح له النفس . وشبه الفلاسفة الطبيعيين ، وأهل التناسخ المنكرين تردّها الأدلة العقلية والنقلية التي تثبت اليوم الآخر ، وتقرر الجزاء والحساب ، « فالبعث في نظر القرآن أمر لا بدّ منه يسوّى فيه حساب المحسنين والمسيئين بعد هذه الدنيا ، وقد فرض العقل الإنساني التناسخ فرضا ، واعتسفه اعتسافا ، وتقبّله وآمن به وليس بين يديه شاهد يشهد له ، أو دليل يدلّ عليه ، وما ذاك إلا أنّه رأى الحياة الدنيا لا تضع موازين العدل بين الناس ، ولا تأخذ للمظلوم حقه من ظالمه » « 3 » .
--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - تفسير القرآني للقرآن - ج 2 ص 949 . ( 2 ) نفسه ج 2 ص 954 - 955 . ( 3 ) نفسه ج 2 ص 956 .