بن عيسى باطاهر
122
المقابلة في القرآن الكريم
وتعدّ الجنة والنار من أبرز الثنائيات في عقيدة اليوم الآخر ، وهي من الأبعاد الدينية الكبرى في التصوّر الإسلامي ، وقد ثار حولها جدل بشري منذ أقدم الأزمان حيث أن النشور بعد الموت من أصعب القضايا التي تاهت فيها العقول باعتبارها من أمور الغيب التي يصعب إدراكها إلّا بخطاب الأنبياء ، وإرسال الرسل . وقد جاءت رسالات السماء مخبرة ومبيّنة بأن الجزاء الأخروي أمر حتمي ، وحدوثه قطعي ، فهناك يوم عظيم سيجتمع فيه كل الخلائق وينصب أمامهم ميزان العدل ، فيجازي المؤمن على إيمانه ، ويجازي الكافر على كفره ، ثم يكون لكلّ منهما مصير مستقر ، فالمؤمن له الجنة والنعيم والكافر له النار والعذاب ، قال تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] ، وقال تعالى أيضا : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [ الشورى : 7 ] . وقد أكثر القرآن الكريم الحديث عن الدار الآخرة ، وحسابها الدقيق ، ونعيمها المقيم وعذابها الدائم ، وأكثر من الحديث للبشر أن حياتهم فوق التراب فترة صغيرة ، وأنّ استغراقهم في الأحزان والأفراح خدعة كبيرة ، وأن المسلك الوحيد الرشيد هو الإيمان باللّه واليوم الآخر « 1 » . وقبل الحديث عن إثبات الجزاء والحساب في المنهج القرآني ، نريد أن نعرف أن إنكار هذا الموضوع ممتد في الأمم الماضية عبر القرون والأعصر ، وأن الفلاسفة الطبيعيين أنكروا ذلك ، ونريد أن نعرف بوجه عام الشبهات التي يستمسك بها كل منكر للبعث ، وليس لدينا بالنسبة للأمم الماضية سجل تاريخي أصدق من القرآن الكريم ، فقد حدثنا عن إنكار تكذيب الأمم السابقة ليوم
--> ( 1 ) محمد الغزالي - المحاور الخمسة في القرآن الكريم - ص 148 .