بن عيسى باطاهر
121
المقابلة في القرآن الكريم
الحب والإخلاص لأعداء اللّه ورسوله ، واللّه يريد من المؤمن أن يكون عمله مخلصا صوابا ، أي أن يكون ولاؤه ولاء مطلقا للّه في كل ما أمر به ونهى عنه . وتعتمد هاتان الآيتان على المزاوجة والمقابلة بين الولاء والبراء في صورة من صورهما ، فقد قابلت بين « الاستغفار للمشركين » الذي يعني الولاء لهم ، وبين « استغفار إبراهيم لأبيه وتبرّئه في الأخير منه » والذي يعني البراء من الشرك والمشركين ، وطريقة المقابلة هنا حاسمة في أداء المعنى ، وعرض الأفكار التي يستفاد منها القيم الدينية والفكرية المختلفة . ونخلص إلى القول في قضية الولاء والبراء أنها قضية تتعلق بالوحدانية ، وأنها جزء هام من عقيدة « لا إله إلّا اللّه » لأنها تتعلق بالحب والبغض في اللّه ، فلا يكون الإيمان صحيحا إلا بالولاء المطلق والمحبة الصادقة للّه ورسوله والمؤمنين ، والبغض والكراهية للكفر والشرك والمشركين ، ونخلص كذلك إلى القول بأنّ طريقة التقابل التي لجأت إليها السورة الكريمة في عرض المعاني كانت حاسمة في أداء تلك القيم الدينية والأخلاقية والفكرية . د - المقابلة بين الجنّة والنار : يهتم القرآن الكريم اهتماما كبيرا بتقرير حقيقة اليوم الآخر وما فيه من نعيم وعذاب وجزاء وحساب ، بل إنّه قد عدّه من أركان الإيمان الأساسية التي لا يصح إيمان بدونه ، وجعله في المرتبة الثانية بعد عقيدة الإيمان باللّه ، يقول محمد عبد اللّه دراز - رحمه اللّه - : « على أساس فكرة كمال اللّه المطلق بنى القرآن الشطر الأول من النظرية الدينية العامة وهي : أنه لا شيء في الوجود يستحق العبادة سوى اللّه الواحد القهّار ، وبنفس الفكرة يؤسس القرآن أيضا الشطر الثاني من هذه النظرية ، وهي الإيمان بالحياة الأخروية ، فكما أن اللّه هو الأول فهو الآخر إذ إليه مآلنا لنقدم له أعمالنا ، ونتلقى منه الجزاء الذي نستحق » « 1 » .
--> ( 1 ) مدخل إلى القرآن الكريم ص 83 .