بن عيسى باطاهر
120
المقابلة في القرآن الكريم
لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة : 113 - 114 ] . تتحدث هاتان الآيتان عن البراء من المشركين حتى ولو كانوا من ذوي القرابة والنسب ، وذلك أن الولاء لهم يقدح في صحة الإيمان الذي يجب أن يكون خالصا للّه وحده ، والظاهر أن بعض المسلمين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين ويطلبون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يستغفر لهم ، فنزلت الآيات تقرّر أن في هذا الاستغفار بقية من تعلّق بقربات الدم في غير صلة باللّه لذلك ما كان للنبي والذين آمنوا أن يفعلوه « 1 » . وقال الفخر الرازي ( - 606 ه ) : « اعلم أن اللّه تعالى لما بيّن من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار البراءة من الكفار والمنافقين من جميع الوجوه ، بيّن في هذه الآية أنه تجب البراءة من أمواتهم ، وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان كالأب والأم ، كما أوجب البراءة عن أحيائهم ، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات ، والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب « 2 » . ويظهر الولاء للّه في الآية الثانية وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ فإبراهيم عليه السلام يمثل الولاء المطلق للّه ، وهو القدوة والأسوة في أعلى مستوياتها للولاء للّه والإخلاص لدين اللّه ، فلا حساب لعاطفة القرابة عنده تدخل شيئا من الضيم على ولائه لربّه ، وإخلاصه لدينه « 3 » . إن القيمة الدينية التي أفادها هذا السياق هي أنه لا ينبغي الاستغفار والترحم على المشركين - ولو كانوا أمواتا - لأنّ هذا الفعل يدخل شيئا من الحب والرضا لهم ولما هم فيه من ضلال وكفر ، ويتسرب إلى إيمانه باللّه وولائه له بعض معاني
--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 3 ص 1721 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 16 ص 208 . ( 3 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 ص 907 .