بن عيسى باطاهر

119

المقابلة في القرآن الكريم

الكره الذي تقتضيه طبيعة القتال نفسه ، وأمام العقيدة يجب أن تنقطع كل هذه الأواصر لأنّ للّه الولاية الأولى ، وحبّ اللّه تعالى - أي حب عبده له - هو الذي يجب أن يكون فوق كل حب لأنه سبحانه وتعالى هو المتصف وحده بكل ما شأنه أن يحبّ من جمال وكمال ، وبر وإحسان ، وكل ما يحب في الوجود فهو من صنعه وفيض جوده وإحسانه ، ومظهر أسمائه الحسنى وصفاته » « 1 » . وتعتمد هاتان الآيتان على أسلوب المقابلة في عرض هذه القيم المستفادة من السياق ، فهناك مقابلة كبرى بين طرفي الآية يتحدد من خلالها الولاء والبراء وهي : إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها وفي الطرف المقابل أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ . وغاية هذه المقابلة تقرير مبدأ الولاية للّه وحده ، والبراء من الشرك وحظوظ الأنفس من حبّ المطامع واللذائذ ، « فالسياق القرآني يأخذ كلّ هذه الأواصر ليضعها كلها في كفة ويضع العقيدة ومقتضياتها في الكفة الأخرى : الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة ( وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج ) والأموال والتجارة ( مطمع الفطرة ورغبتها ) والمساكن المريحة ( متاع الحياة ولذتها ) ، وفي الكفة الأخرى : حب اللّه ورسوله وحب الجهاد في سبيله ، الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشاقه ، الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب ، وما يتبعه من تضييق وحرمان وما يتبعه من ألم وتضحية » « 2 » . وقال تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ

--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 ص 232 . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 3 ص 1615 .