بن عيسى باطاهر
105
المقابلة في القرآن الكريم
عليهم الحلال ، وأحلّوا لهم الحرام ، فاتّبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عديّ ما تقول ، أيضرّك أن يقال : اللّه أكبر ، فهل تعلم شيئا أكبر من اللّه ، ما يضرّك أن يقال : لا إله إلّا اللّه ، فهل تعلم إلها غير اللّه ، ثم دعاه إلى الإسلام ، فأسلم وشهد شهادة الحق » « 1 » . فهذا الحديث النبوي يبيّن بوضوح مقصود اللّه تعالى في قوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ أي أنّ القضية تتعلّق بالتشريع وبالحلال والحرام ، و « تفسير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقول اللّه سبحانه نصّ قاطع على أنّ الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تخرج من الدين ، وأنّها هي اتخاذ بعض الناس أربابا لبعض ، الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه ، ويعلن تحرير الإنسان في الأرض من العبودية لغير اللّه » « 2 » . إنّ الآية الأولى تبيّن انحراف اليهود والنصارى في تصورهم عن اللّه ، فقد لحقوا بأهل الشرك وإن اختلفت طرق الشرك فلا فرق بين من يعبد الصنم ، ومن يعبد المسيح وغيره « 3 » وهم قد أشركوا باللّه حقيقة في أقوالهم وأعمالهم ، فأما شركهم في الأقوال فقول اليهود عزير ابن اللّه ، وقول النصارى المسيح ابن اللّه ، وأمّا شركهم في الأفعال والأعمال فاتخاذهم الأحبار والرهبان مصادر للتشريع وللتحليل والتحريم والاتباع . لكن السؤال الذي قد يطرح هو : ما الذي عمله الرهبان والأحبار حتى تعدّوا على سلطة اللّه ، لقد تحدث القرآن عن ذلك في مواطن كثيرة ، « وبيّن أنهم تأوّلوا ابتداء كلمات اللّه ، وأخرجوها عن مفهومها الذي لها إلى المفهوم الذي يرونه . . ومن هنا كان للأحبار والرهبان هذا
--> ( 1 ) محمد جمال الدين القاسمي - تفسير القاسمي المسمّى محاسن التأويل - ط 1 مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه 1958 - ج 8 - ص 3125 . ( 2 ) سيد قطب - معالم في الطريق - ط 10 - دار الشروق : بيروت 1983 ص 70 . ( 3 ) انظر أبو حيان الأندلسي - تفسير النهر الماد من البحر المحيط - تقديم وضبط بوران الضناودي وهديان الضناوي ، ط 1 دار الجنان 1987 م - ج 1 - ص 963 .