بن عيسى باطاهر

106

المقابلة في القرآن الكريم

السلطان المبسوط على أتباعهم ، بحيث جعلوا إلى أيديهم أمر هؤلاء الأتباع فيما هو من صميم العقيدة ، فيغفرون لمن شاءوا من المذنبين ، ويحرمون من شاءوا من هذا الغفران ، وقد أدى ذلك إلى أن أصبح الأحبار والرهبان آلهة يطلب رضاها ، ويتقرب إليها بالقربات ، حتى تنال منهم المغفرة والرضوان ، وهذا وضع أشبه بالوضع الذي يقوم بين المؤمن وربّه . . ومن هنا قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ مصوّرا لهذه الحال القائمة بين عامة اليهود والنصارى وبين أحبارهم ورهبانهم ، أدق تصوير وأتمه » « 1 » . إنّ من القيم الدينية لهذه الآية أن اليهود والنصارى باتباعهم الأحبار والرهبان قد أخرجوا الناس من عبادة اللّه إلى عبادة البشر ، وأعطوا حقّ التشريع والاتباع إلى عباد ضعفاء لا يملكون من خصائص الألوهية شيئا ، ومن القيم أيضا التي تستفاد من الآية الكريمة أنّ اليهود والنصارى اتخذوا رؤساء الدين فيهم أربابا حين أعطوهم حقّ التشريع وأطاعوهم فيه ، فقد ذكر اللّه سبحانه أنه « من كلّ فريق ما حذف مقابله من الآخر على طريقة الاحتباك أي اتّخذ اليهود أحبارهم وربّانيهم ، والنصارى قسوسهم ورهبانهم أربابا غير اللّه وبدون إذنه بإعطائهم حقّ التشريع الديني لهم ، وبغير ذلك مما هو حقّ الربّ تعالى » « 2 » . ونخلص إلى القول بأن المراد من اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا ليس هو العبادة المحضة التي تجعل منهم آلهة وأصناما ، بل المراد كما ذكر الفخر الرازي ( - 606 ه ) أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم « 3 » ، وهذا هو الذي يسمى حق التشريع ، وهو بيان معادلة الحلال والحرام ، وبمعنى آخر الحكم على الأشياء من حيث الحظر والإباحة وهو نفسه مصطلح الحاكمية الذي هو

--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 2 - ص 743 . ( 2 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 364 . ( 3 ) الفخر الرازي - التفسير الكبير - ج 16 - ص 37 .