بن عيسى باطاهر
102
المقابلة في القرآن الكريم
تحديدا واضحا أنّ اللّه وحده هو الذي يحلّ ويحرّم في كتابه أو على لسان نبيّه كل ذلك لما فيه خير الناس ، ومصلحة العباد . فإذا كان التحليل والتحريم من حقوق اللّه التي يجب ألّا يشاركه وينازعه فيها البشر ، فإن مقصد اللّه من هذا الحق هو تحقيق المصلحة بين العباد ، يقول الإمام الشاطبي - رحمه اللّه - ( - 790 ه ) : « والمعتمد عندنا هو أنّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد . . فتكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق ، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام : أحدها : أن تكون ضرورية و « الثاني » : أن تكون حاجية ، و « الثالث » : أن تكون تحسينية . فأما الضرورية « 1 » فمعناها أنّها لا بدّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة . . وأمّا الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ، فإذا لم تراع دخل على المكلّفين - على الجملة - الحرج والمشقة ، ولكنّه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة . . وأما التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات ، وتجنّب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات ، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق » « 2 » . إن ثنائية الحلال والحرام تبقى من أبرز القضايا في حياة الناس إلى يوم القيامة ، وما ذاك إلا لارتباطها الوثيق بالحياة العملية ، والسلوك اليومي للناس وفي كل حركة يقومون بها ، ونمضي الآن مع سياق سورة التوبة لنقف عند حديثها عن الحلال والحرام ، ونظرتها إلى هذه الثنائية الهامة ولنبيّن أن القرآن
--> ( 1 ) مجموع الضروريات خمسة وهي : حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل . ( 2 ) الشاطبي - إبراهيم بن موسى - ( - 790 ه ) - الموافقات في أصول الشريعة - تحقيق عبد اللّه دراز - ط المكتبة التجارية : مصر - ج 2 - ص 8 - 11 .