بن عيسى باطاهر

103

المقابلة في القرآن الكريم

الكريم يفضّل طريقة عرض الأشياء في صورتها المتقابلة ، وبيان أن ذلك من الوسائل التي تؤدي أغراضا بلاغية كثيرة ، وقيما فكرية ومعنوية متعددة . قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [ التوبة : 115 - 116 ] . في هذه الآية الكريمة تقابل بين الهدى والضلال ، وتقابل بين الحلال والحرام في صورة من صورهما ، وهي مقابلة تتحدّد من خلالها القيمة الدينية التي يؤديها السياق القرآني ، فالآية إذن تعقد تقابلا معنويا بين الحلال والحرام اللذين نسبهما اللّه لنفسه ، وجعلهما من خصائصه وحقوقه ، فمن المعاني التي تؤديها الآية أنّ اللّه تعالى لا يؤاخذ أقواما بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبيّن ما يجب عليهم أن يتقوه ، فأمّا بعد أن فعل ذلك ، وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة « 1 » . فاللّه سبحانه ليس بظلّام للعبيد ، وحاشاه أن يضلّ قوما دون أن يبيّن لهم الحلال والحرام ، ويبيّن لهم الطرق المؤدية إلى كلّ منهما ، و « ليس من شأنه وعادة جلاله أن يكتب الضلال لقوم بعد إذ هداهم بإرسال الرسل إليهم ، وأرشدهم إلى الحق حتى يبيّن لهم الأشياء التي يريد منهم أن يتقوها ، أي : يتجنبوها » « 2 » . فالآية تفيد أن اللّه هو الذي يشرع الحلال والحرام ، وهو يشرع من الأحكام ما تكمل به فطرة الناس ، ويستقيم به رأيهم وفهمهم ، فيبيّن لهم مهمات الدين بالنصّ القاطع حتى لا يضلّ فيه اجتهادهم بأهواء نفوسهم ، ويترك لهم مجالا للاجتهاد فيما دون ذلك من مصالحهم « 3 » .

--> ( 1 ) الفخر الرازي - تفسير الفخر الرازي - ج 16 - ص 212 . ( 2 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 11 - ص 47 . ( 3 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 11 - ص 61 .