محمد سالم محيسن
87
المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة
قال « أبو جعفر الطبري » ت 310 ه : « الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأىّ تلك الأحرف السبعة شاءت ، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفّر بأىّ الكفّارات الثلاث شاءت : إما بعتق ، أو إطعام ، أو كسوة . فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفّارات الثلاث دون حظرها التكفير فيها بأىّ الثلاث شاء المكفر ، كانت مصيبة حكم اللّه مؤيدة في ذلك الواجب عليها من حق اللّه ، فكذلك الأمة أمرت بحفظ القران وخيّرت في قراءته بأىّ الأحرف السبعة شاءت : فرأت - لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد - قراءته بحرف واحد ، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية ، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في قراءته به : ثم قال : « فحملهم « عثمان » رضى اللّه عنه على حرف واحد ، وجمعهم على مصحف واحد ، وحرّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه ، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد ، والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستّة التي عزم عليها إمامها - العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها ، حتى درست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها ، وعفو آثارها . وتتابع المسلمون على رفض القراءة بها من غير جحود منهم صحتها ، فلا قراءة اليوم لأحد من المسلمين إلّا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية .