محمد السيد علي بلاسي
34
المعرب في القرآن الكريم
وقصارى القول : متى أتيح للغتين متجاورتين فرص للاحتكاك فلا مناص من تأثر كل منهما بالأخرى ، سواء أتغلبت إحداهما أم كتب لكلتيهما البقاء . غير أن هذا التأثر يختلف في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية . فإذا كان الفناء قد حق على إحداهما فإنها لا تقوى على مقاومة ما تقذفها به الثانية من مفردات وقواعد وأساليب ، ولا تكاد تسيغ ما تتجرعه منها ، فيتخمها ويضعف بنيتها فتخور قواها وتفنى أنسجتها الأصلية شيئا فشيئا حتى تزول ؛ على حين أن الغالبة تسيغ كل ما تأخذه من الأخرى مهما كبرت كميته وعظم شأنه ، فيستحيل إلى عناصر من نوع عناصرها ، فتزداد به قوة ونشاطا ، وبدون أن تدع له مجالا للتأثير في بنيتها أو تغيير تكوينها الأصلي ، كما كان شأن الإنكليزية والفرنسية الغالبتين من اللهجات السلتية المغلوبة بإيرلندا وويلز ومقاطعة البريتون وإذا كان البقاء قد كتب لكلتيهما ، تعمد كل منهما إلى ما تأخذه من الأخرى فتسيغه وتقاوم آثاره الهدامة ، فتبقى كل منهما متميزة الشخصية ، موفورة القوى ، سليمة البناء : كما كان شأن الفارسية مع التركية ، والفرنسية مع الإيطالية والإسبانية والبرتغالية « 1 » . هذا ، ومن المقرر أن المفردات التي تنتقل من لغة إلى غيرها من اللغات التي تلتقيها ؛ يتصل معظمها بأمور قد اختص بها أهل تلك اللغة أو امتازوا بإنتاجها وفي سبقهم الغير في ابتكارها . لذا فقد انتقل إلى اليونانية ومنها إلى اللاتينية كثير من الكلمات الفينيقية المتصلة بشؤون الملاحة البحرية ؛ لأن الفينيقيين هم الذين سبقوا غيرهم من الشعوب في هذا المضمار . وقد أخذت اللغات الجرمانية عن اللاتينية كثيرا من المفردات المتصلة
--> ( 1 ) علم اللغة : د . علي عبد الواحد وافي ، ص 246 ، 247 ، ط . التاسعة - دار نهضة مصر بالفجالة ، ولمزيد من التفصيل راجع ص 240 وما بعدها . وراجع أيضا : الفصحى ولهجاتها : د . عبد الفتاح البركاوي ، ص 136 ، الطبعة الأولى .