محمد السيد علي بلاسي
117
المعرب في القرآن الكريم
ذلك ، حتى ليصبح اللفظ الأجنبي في موقعه أفصح من نظيره العربي ؛ فلو حاولنا أن نرفع لفظ ( إستبرق ) من قوله تعالى : مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ « 1 » ، لنضع مكانه كلمة ( حرير ) - مثلا - ، لما وقع اللفظ الثاني موقع الأول من الفصاحة والبلاغة « 2 » . ولتوضيح هذا ؛ نسوق قول السيوطي : وقد رأيت الجويني ذكر لوقوع المعرّب في القرآن فائدة أخرى فقال : « إن قيل إن ( إستبرق ) ليس بعربي وغير العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة ، فنقول : لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظة تقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك . فمثلا كلمة ( إستبرق ) إن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه ؛ لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة ، ولا يجد العربي لفظا واحدا يدل عليه لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس ، ولم يكن لهم بها عهد ولا وضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم ، وإنما عربوا ما سمعوا من العجم واستغنوا به عن الوضع لقلة وجوده عندهم وندرة تلفظهم به . وأما إن ذكره بلفظين فأكثر فإنه يكون قد أخل بالبلاغة ، لأن ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ تطويل ؛ فعلم بهذا أن لفظ ( إستبرق ) يجب على كل فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه . وأي فصاحة أبلغ من ألا يوجد غيره مثله ؟ ! » ا . ه . « 3 » ويؤكد هذه الحقيقة الرافعي إذ يقول : « ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن . إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني
--> ( 1 ) سورة الرحمن ، الآية : 54 . ( 2 ) أصل العرب ولغتهم بين الحقائق والأباطيل : د . عبد الغفار هلال ، ص 91 ، ط . أولى - دار الطباعة المحمدية سنة 1401 ه . وراجع : محاضرات في فقه اللغة العربية : د . عبد الله العزازي ص 29 ، بدون ذكر الطباعة والتاريخ . ( 3 ) المهذب : للسيوطي ، ( المقدمة ) ، ص 15 - 18 ، بتصرف .