عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
90
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
ألفاظ المصحف المجمع عليه ، كالصوف وهو العهن [ القارعة : 5 ] ، وزقية وهي صَيْحَةً [ يس : 29 ] ، وحططنا وهي وَضَعْنا [ الانشراح : 20 ] ، وحطب جهنم وهي حَصَبُ [ الأنبياء : 98 ] ، ونحو ذلك ، فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وكل رجل منهم متمسك بما أجازه له صلى اللّه عليه وسلّم وإن كان مخالفا لقراءة صاحبه في اللفظ ، وعول المهاجرون والأنصار ومن تبعهم على العرضة الأخيرة التي عرضها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على جبريل عليه السلام في العام الذي قبض فيه ، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يعرض عليه في كل سنة مرة جميع ما أنزل عليه فيها إلا في السنة التي قبض فيها ، فإنه عرض عليه مرتين . قلت : وهذا كلام مستقيم حسن ، وتتمته أن يقال : أباح اللّه تعالى أن يقرأ على سبعة أحرف ما يحتمل ذلك من ألفاظ القرآن وعلى دونها ما يحتمل ذلك من جهة اختلاف اللغات وترادف الألفاظ توسيعا على العباد ، ولهذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقول لما أوحي إليه أن يقرأه على حرفين وثلاثة : « هوّن على أمّتي . . . » « 1 » على ما سبق ذكره في أول الباب ، فلما انتهى إلى سبعة وقف ، وكأنه صلى اللّه عليه وسلّم علم أنه لا يحتاج من ألفاظه لفظة إلى أكثر من ذلك غالبا ، واللّه أعلم . وإنما غرضنا الآن تحقيق معنى هذا العدد الذي هو سبعة أحرف . قال الأهوازي : وقالت طائفة : سبع لغات من قريش حسب . وقال بعضهم : خمس منها بلغة هوازن ، وحرفان لسائر لغات العرب ، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ربي في هوازن ونشأ في هذيل . وجاء عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي اللّه عنهما أنهما قالا : نزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب . وفي رواية عن ابن عباس : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يقرئ الناس بلغة واحدة ، فاشتد ذلك عليهم ، فنزل جبريل فقال : يا محمد ، أقرئ كلّ قوم بلغتهم . قلت : هذا هو الحق ، لأنه إنما أبيح أن يقرأ بغير لسان قريش توسعة على العرب ، فلا ينبغي أن يوسع على قوم دون قوم ، فلا يكلف أحد إلا قدر استطاعته ، فمن كانت لغته الإمالة ، أو تخفيف الهمز ، أو الإدغام ، أو ضم ميم الجمع ، أو صلة هاء الكناية ، أو نحو ذلك فكيف يكلف غيره ؟ وكذا كل من كان من لغته أن ينطق بالشين التي كالجيم في نحو أشدق ، والصاد التي كالزاي في نحو مصدر ، والكاف التي كالجيم ، والجيم التي كالكاف ، ونحو ذلك ؛ فهم في ذلك بمنزلة الألثغ والأرت ، لا يكلف ما ليس في وسعه ، وعليه أن يتعلم ويجتهد ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .