عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

114

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

« والضرب الثاني : ما اختلف القراء فيه من إظهار ، وإدغام ، وروم ، وإشمام ، وقصر ، ومد ، وتخفيف ، وشد ، وإبدال حركة بأخرى ، وياء بتاء ، وواو بفاء ، وما أشبه ذلك من الاختلاف المتقارب » . « فهذا الضرب هو المستعمل في زماننا هذا ، وهو الذي عليه خط مصاحف الأمصار ، سوى ما وقع فيه من اختلاف في حروف يسيرة » . « فثبت بهذا : أن هذه القراءات التي نقرأها ، هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن ، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف ، إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن ، وإذ قد أباح النبي صلى اللّه عليه وسلّم لنا القراءة ببعضها دون بعض ، لقوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [ المزمل : 20 ] ، فصارت هذه القراءة المستعملة في وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان اللّه عليهم ، من جمع الناس على هذا المصحف ، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف وتكفير بعضهم لبعض » . قال : « فهذا أصح ما قال العلماء في معنى هذا الحديث » . قال : « وقد ذهب الطبري وغيره من العلماء إلى أن جميع هذه القراءات المستعملة ترجع إلى حرف واحد ، وهو حرف زيد بن ثابت » . قلت : لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان والمرادفة والتقديم والتأخير ، وكانوا علموا أن تلك الرخصة قد انتهت بكثرة المسلمين واجتهاد القراء وتمكنهم من الحفظ . وقد قال القاضي أبو بكر بن الطيب : « القوم لم يختلفوا عندنا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم التي لم يمت حتى علم من دينه أنه أقرأ بها وصوب المختلفين فيها ، وإنما اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ولم تقم بها حجة ، وكانت تجيء عنه مجيء الآحاد ، وما لم يعلم ثبوته وصحته ؛ وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل ، نحو قوله تعالى : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] وهي صلاة العصر ، وفإن فاؤ فيهن [ البقرة : 226 ] ، وأمثال هذا مما وجدوه في بعض المصاحف ، فمنع عثمان رضي اللّه عنه من هذا الذي لم يثبت ولم تقم به الحجة ، وحرقه ، وأخذهم بالمستيقن المعلوم من قراءات الرسول صلى اللّه عليه وسلّم » .