عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

113

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها ، حتى درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها ، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها ، وعفو آثارها ، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها ، من غير جحود منهم صحتها ، فلا القراءة اليوم لأحد من المسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية » . قال : « فإن قال بعض من ضعفت معرفته : كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وأمرهم بقراءتها ؟ » . « قيل : إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة » . ثم ساق الكلام في تقرير ذلك . وقال أبو العباس أحمد بن عمار المقرئ « 1 » في « شرح الهداية » : « أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك إنما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن » . قال : « وتفسير ذلك أن الحروف السبعة التي أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن القرآن نزل عليها تجري على ضربين : أحدهما : زيادة كلمة ونقص أخرى ، وإبدال كلمة مكان أخرى ، وتقديم كلمة على أخرى ، وذلك نحو ما روي عن بعضهم : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم في مواسم الحجّ [ البقرة : 198 ] ، وروي عن بعضهم : حم سق [ الشورى : 1 - 2 ] ، وإذا جاء فتح اللّه والنّصر [ النصر : 1 ] ، فهذا الضرب وما أشبهه متروك ، لا تجوز القراءة به ، ومن قرأ بشيء منه غير معاند ولا مجادل عليه وجب على الإمام أن يأخذه بالأدب ، بالضرب والسجن على ما يظهر له من الاجتهاد ، فإن جادل عليه ودعا الناس إليه وجب عليه القتل ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « المراء في القرآن كفر » ، ولإجماع الأمة على اتباع المصحف المرسوم » .

--> ( 1 ) هو أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي القيرواني ، أبو العباس ، أصله من المهدية القيروان ، قدم الأندلس ، وتوفي سنة 440 ه . صنف : « التيسير في القراءات » ، « ري العاطش » ، « الهداية في القراءات » . ( انظر : كشف الظنون 5 / 75 ، سراج القارئ ص 28 ، غاية النهاية 1 / 92 ، طبقات المفسرين ص 5 ، بغية الوعاة ص 152 ) .