عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

105

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

وقد تقدم من حديث أبيّ بن كعب بإسناد صحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال لجبريل عليه السلام : « إنّي بعثت إلى أمّة أمّيّة فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام ، فقال : مرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف » « 1 » . قلت : فمعنى الحديث أنهم رخص لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها ، أو يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف ، ولم يلزموا المحافظة على حرف واحد ، لأنه نزل على أمة أميّة لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالجهاد والمعاش ، فرخص لهم في ذلك ، ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها ، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله ، ودلنا ما ثبت في الحديث من تفسير ذلك بنحو : هلم ، وتعال ، على جواز إبداله باللفظ المرادف ، ودلنا ما ثبت من جواز غَفُوراً رَحِيماً موضع عَزِيزاً حَكِيماً على الإبدال بما يدل على أصل المعنى دون المحافظة على اللفظ ، فإن جميع ذلك ثناء على اللّه سبحانه ، هذا كله فيما يمكن القارئ عادة التلفظ به ، وأما ما لا يمكنه لأنه ليس من لغته فأمره ظاهر ولا يخرج إن شاء اللّه شيء من القراءات عن هذا الأصل وهو إبدال اللفظ بمرادف له أو مقارب في أصل المعنى ، ثم لما رسمت المصاحف هجر من تلك القراءات ما نافى المرسوم ، وبقي ما يحتمله ، ثم بعض ما يحتمله خط المصحف اشتهر وبعضه شذّت روايته ، وهذا أولى من حمل جميع الأحرف السبعة على اللغات ، إذ قد اختلفت قراءة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم رضي اللّه عنهما وكلاهما قرشي مكي ، لغتهما واحدة . وهذه الطرق المذكورة في بيان وجود السبعة الأحرف في هذه القراءات المشهورة كلها ضعيفة ، إذ لا دليل على تعيين ما عينه كل واحد منهم ، ومن الممكن تعيين ما لم يعينوا ، ثم لم يحصل حصر جميع القراءات فيما ذكروه من الضوابط ، فما الدليل على جعل ما ذكروه مما دخل في ضابطهم من جملة الأحرف السبعة دون ما لم يدخل في ضابطهم ؟ وكان أولى من جميع ذلك لو حملت على سبعة أوجه من الأصول المطردة كصلة الميم ، وهاء الضمير ، وعدم ذلك ، والإدغام ، والإظهار ، والمد ، والقصر ، وتحقيق الهمز ، وتخفيفه ، والإمالة ، وتركها ، والوقف بالسكون ، وبالإشارة إلى الحركة ، وفتح الياءات ، وإسكانها ، وإثباتها ، وحذفها ، واللّه أعلم . فصل وقد تكلم على معنى هذا الحديث كلاما كثيرا شافيا صاحب كتاب « الدلائل » -

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 132 ، والطبري في تفسيره 1 / 12 .