محمد بن محمد ابو شهبة
66
المدخل لدراسة القرآن الكريم
تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) [ القيامة : 16 ] قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، وكان مما يحرك شفتيه . . . » « 1 » وهذه الشدّة لن تكون إلا في الحالة الأولى . وروى الإمام أحمد بسنده عن عبد اللّه بن عمرو قال : سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلت : هل تحسّ بالوحي فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أسمع صلاصل ، ثم أسكت عند ذلك ، فما من مرة يوحى إليّ إلّا ظننت أن نفسي تقبض » رواه أحمد ، وروى ابن جرير أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها « 2 » فما تستطيع أن تحرك حتى يسرّى عنه ، وعن زيد بن ثابت - رضي اللّه عنه - أنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفخذه على فخذي ، فكادت ترضّ « 3 » فخذي « 4 » ، رواه البخاري في الصحيح . وأيضا فلو أنزل شيء من القرآن في الحالة الثانية وهي مجيء جبريل - عليه السلام - في صورة رجل لكان هذا مثارا للشك ، والتلبيس على ضعفاء الإيمان ، ولكان فيه مستند للمشركين في قولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . . . . وقد أشار اللّه تبارك وتعالى إلى هذا في قوله حكاية لمقالة المشركين وردّا عليهم : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) « 5 » [ الأنعام : 8 - 9 ] ، فكان من الرحمة بالعباد ، وعدم التلبيس عليهم أن لا ينزل القرآن إلا في هذا الجو الملائكيّ ، الروحانيّ .
--> ( 1 ) صحيح البخاري - باب كيف كان بدء الوحي . ( 2 ) الجران : باطن العنق . ( 3 ) تكسر عظامها . ( 4 ) تفسير ابن كثير ج 9 ص 27 - 28 . ( 5 ) لقضي الأمر بإهلاكهم ، فقد جرت سنة اللّه مع الكافرين أنهم إذا سألوا أسئلة تعنتية ، ثم أجيبوا أن يهلكهم .