محمد بن محمد ابو شهبة
31
المدخل لدراسة القرآن الكريم
ما فاطر السماوات « 1 » حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأتها » . وروي عنه أيضا أنه قال : « ما كنت أدري ما قوله : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [ الأعراف : 89 ] حتى سمعت بنت « ذي يزن » - وقد جرى بيني وبينها كلام - تقول : « تعال أفاتحك » تريد ، أقاضيك وأخاصمك « 2 » . وبلّغ الصحابة ما حملوه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من تفسير القرآن وعلومه ، وما فهموه منه باجتهادهم إلى من جاء بعدهم من التابعين ، وبلّغه التابعون إلى من جاء بعدهم ، فقد كان المعول عليه في القرون الأولى ، في « علوم القرآن » وكذلك الحديث وعلومه - هو الرواية والتلقي عن الغير والمشافهة لا على الخط والكتابة في الصحف وقد استمر الأمر على هذا ، إلى أن جاء عصر التدوين ، فدونت المعارف والعلوم في الصحف ، والسطور ، بعد أن كانت مقيدة محفوظة في الصدور . عصر التدوين : لم تكن « علوم القرآن » وغيرها من العلوم مدونة في « العصر الأول » في الكتب والصحف ، بل كانت مدونة على صفحات القلوب ، وإنما كان المدوّن والمكتوب هو « القرآن الكريم » فحسب « 3 » ، وذلك لما ورد في الصحيح : « من النهي عن كتابة غير القرآن » : روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا
--> ( 1 ) سورة فاطر ( 1 ) . ( 2 ) الإتقان ( ج 1 ص 111 ) ، ومقدمة تفسير القرطبي ( ج 1 ص 14 ، 18 ) . ( 3 ) والقرآن الكريم ، مع كونه كان مكتوبا في عهد النبي ، ثم جمع في عهد « أبي بكر » في الصحف ، وفي عهد عثمان في المصاحف ، فقد كان يعتمد الحفاظ والقراء على الرواية ، وهي التلقي من الشيوخ ، وأداء ما تلقوه إلى من جاء بعدهم ، ولم يعرف عنهم أنهم كانوا يعتمدون في الحفظ والإقراء على المكتوب فحسب ، ولم توجد هذه البدعة إلا في العصر الأخير وإن كان القراء المجيدون لا يزالون إلى عصرنا هذا يعتمدون على التلقي الشفاهي ، والأخذ عن الشيوخ .