محمد بن محمد ابو شهبة

29

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وسمعوا من النبي صلى اللّه عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم ، ورأوا من أحواله ما لم يره غيرهم ، وكان ابن مسعود - رضي اللّه عنه - من أعلم الصحابة بعلوم القرآن ولا سيما علم أسباب النزول ، وعلم المكي والمدني ، وعلم قراءاته ، روى البخاري بسنده عنه أنه قال : « واللّه الذي لا إله غيره ما من آية من كتاب اللّه إلا وأعلم أين نزلت وفيم نزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب اللّه تبلغه المطي لركبت إليه » . فإن خفي عليهم من القرآن شيء لم يدركوه بفطرتهم اللغوية ، ومعارفهم المكتسبة ، رجعوا فيه إلى « النبي » فيعلمهم إياه ، فمن ثمّ تجمع لهم من علم « القرآن » شيء كثير . روى البخاري « 1 » أنه لما نزل قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) [ سورة الأنعام : 82 ] اهتم الصحابة ، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه فبين لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن المراد بالظلم : الشرك ، أخذا من قول اللّه تعالى : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ سورة لقمان : 13 ] . وروى البخاري : أنه لما نزل قوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [ سورة البقرة : 187 ] عمد « عدي ابن حاتم » إلى عقالين ، أحدهما : أبيض ، والآخر : أسود ، ووضعهما تحت وسادة حتى بين له النبي صلى اللّه عليه وسلم أن المراد بالخيطين بياض النهار وسواد الليل « 2 » . . . وغير ذلك كثير . ولم يكن همّ الصحابة حفظ ألفاظ القرآن فحسب ؛ بل جمعوا إلى حفظ اللفظ فهم المعنى ، وتدبر المراد ، والعمل بمقتضى ما تضمنه من الأحكام والآداب . قال « أبو عبد الرحمن السلمي » « 3 » : حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن ،

--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة لقمان ، باب « إن الشرك لظلم عظيم » . ( 2 ) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة البقرة باب « وكلوا واشربوا . . . » . ( 3 ) هو : « عبد اللّه بن حبيب بن ربيعة » تلميذ أميري المؤمنين « عثمان » و « علي » وأضرابهما