محمد بن محمد ابو شهبة
284
المدخل لدراسة القرآن الكريم
ويتركون القوي ، وينقلون المشكوك فيه ، ويسكتون عن الصحيح الصريح ، لأنها الخطة التي تلائم أغراضهم ، وتتفق ومراميهم . وها هي الشبه التي أوردت قديما وحديثا والرد عليها بما يقنع العقل ويطمئن القلب فأقول وباللّه التوفيق : الشبهة الأولى : قالوا : كيف يكون جمع القرآن عن إجماع من الصحابة مع أن عبد اللّه بن مسعود وهو ذو السابقة في الإسلام قد كره أن يتولى زيد جمع المصحف . وقال : « يا معشر المسلمين كيف أعزل عن جمع المصحف ويتولاه رجل واللّه لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر » « 1 » ، وقال أيضا : « أعزل عن المصاحف وقد أخذت من فيّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعين سورة وزيد بن ثابت ذو ذؤابتين يلعب مع الصبيان » وفي رواية « بضعا وسبعين سورة . . . » « 2 » . والجواب : أن قول ابن مسعود هذا لا يدل على عدم جواز جمع القرآن في المصحف ، ولا على أنه كان مخالفا في الجمع ، وكل ما يدل عليه أنه يرى أنه أحق من زيد بجمع القرآن لسوابقه في الإسلام ، على أنه قال هذا في وقت غضبه فلما سكت عنه الغضب أدرك حسن اختيار عثمان ومن معه من الصحابة لزيد بن ثابت وقد ندم على ما قال واستحيا منه ؛ فقد روى أبو وائل هذه القصة ثم قال عقبها : إن عبد اللّه استحيا مما قال فقال : ما أنا بخيرهم ثم نزل عن المنبر « 3 » ولم يكن اختيار أبي بكر وعثمان لزيد إلا لما له من المزايا التي تؤهله لهذه المهمة الجليلة وقد أفصح عن هذه المزايا الصديق بقوله : إنك رجل ، شاب ، عاقل ، لا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد وصفه بأربع صفات لا بد منها لمن يقوم بهذا العمل وهي الشباب المقتضي للقوة والصبر والجلد ، والعقل وهو جماع
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي من حديث له في جمع القرآن . ( 2 ) أخرجه ابن أبي داود من طرق عن ابن مسعود . ( 3 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 95 .