محمد بن محمد ابو شهبة
242
المدخل لدراسة القرآن الكريم
البديع لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) نفى أن تقع منه عبادة لآلهتهم في الحال ، ثم قال : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) فأتى بالجملة الاسمية لإفادة أن عدم عبادته لآلهتهم فيما يستقبل ثابت مستمر ففيه قطع لأطماعهم على أبلغ وجه وآكده ، ومثل هذه السورة سورة الإخلاص ، فقد أجمل اللّه فيها العقيدة الخالصة من غير استدلال ، لأنها نزلت جوابا للمشركين ، أو اليهود ؛ لما قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم أنسب لنا ربّك ؛ أي بيّن لنا ذاته وصفته ، فأنزل اللّه السورة ، ولا يعزب عن أذهاننا أن السورتين بمنزلة النتيجة لمئات الأدلة والبراهين التي أقامها اللّه على إثبات الصانع جل وعلا ووحدانيته وصفاته واستحقاقه التفرّد بالعبادة ، ولعلّ من اللطائف وقوعها في الترتيب الكتابي في آخر القرآن كما تقع النتيجة من مقدماتها فلا عجب أن جاءتا على هذا الوضع . الشبهة الرابعة قال : إن القسم المكي خال من التشريعات التفصيلية والقوانين ، أما القسم المدني فينفرد بالتشريعات الإسلامية ؛ كالمواريث والوصايا ، والزواج ، والطلاق ، والبيوع ، وسائر المعاملات ، ولا شكّ أن هذا أثر من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن ، وغرضه بهذا التشكيك في أن القرآن من عند اللّه . وللرد على هذا نقول : 1 - إن هذا الفرق بين المكي والمدني قد عرضنا له لما تحدثنا عن خصائص المكي والمدني وقد تنبه العلماء إلى هذه الظاهرة منذ مئات السنين ، ولكن ليس السبب ما ذكره من تأثر القرآن بالبيئة ؛ وإنما السبب في هذا أن أهل مكة كانوا ينكرون أصول الإيمان والشرائع ، فكان الملائم لهم دعوتهم إلى هذه الأصول ، حتى إذا ما استضاءت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه كلفوا بالتشريعات التفصيلية ، وهذا ما كان . وأن من خطل الرأي أن نأتي لهم بالفروع والأحكام العملية قبل أن يؤمنوا