محمد بن محمد ابو شهبة

234

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وآدابها بحظ وافر ، أما من قرأ القرآن قراءة باحث مستبصر غير ذي هوى ورزق التبحر في اللغة ، والوقوف على أسرار البلاغة فإنه يصل ولا محالة إلى علم اليقين في هذا ؛ وهو أن القرآن كعقد منظم تناسقت حباته ، وتآلفت لآلئه ، ونظم في سلك من الذهب الخالص ، والقرآن كله - مكيه ومدنيه - معانيه متآلفة ، وأفكاره منسجمة وآياته متآخية آخذ بعضها بحجز بعض ، لا تنقطع آية عن سابقتها ولاحقتها ، لا ينفر معنى من آخر ، ولو أن هذا الناقد تناول بعض السور المكية وبين لنا بطريقة فنية ما فيها من اقتضاب وتفكك لبينا له ما فيها من ترابط وتماسك ، ولظهر وجه الحق لذي عينين ، أما وقد أرسلها قولة مجردة فهي لا تخرج عن كونها دعوى عارية عن البرهان . وقد عني العلماء المحققون في القديم والحديث ببحث المناسبات بين الآي والسور وأتوا في ذلك بالعجب العجاب ، وقد اشتملت بعض كتب التفسير وكتب البلاغة وأسرارها في ذلك على شيء كثير ، وألف بعضهم في ذلك كتبا مستقلة كما فعل البقاعي في كتابه « لقط الدرر في تناسب الآي والسور » والسيوطي في كتابه « أسرار التنزيل » وبحسبنا هذا الإجمال الآن ، وعسى أن تكون لنا عودة للبحث التفصيلي في موضعه إن شاء اللّه . 2 - أن طول الكلام وقصره تابع لمقتضى الحال الذي هو عماد البلاغة العربية ، وليس تابعا للبيئة ولا الوسط ، وقد بينت آنفا السر في سلوك القرآن الكريم العبارات القصيرة حينا والطويلة حينا آخر ، فكن على ذكر منه . 3 - القرآن الكريم قد تحدى العرب قاطبة في بعض السور المدنية كما تحداهم في السور المكية ، وقد جاء التحدي في المدينة بسورة مهما قصرت وأما في مكة فقد وقع التحدي بالقرآن كله ثم بعشر سور منه ثم بسورة واحدة أية سورة ، فلو أن أهل المدينة - كما زعم الناقد - كانوا أقدر على إنشاء العبارات الطويلة من أهل مكة ، وأن القرآن كان متأثرا بهم في الإطالة لكانوا أقدر على معارضته والإتيان ولو بأقصر سورة منه ، ولكنهم