محمد بن محمد ابو شهبة

235

المدخل لدراسة القرآن الكريم

لم ينبسوا ببنت شفة ، ورضوا لأنفسهم السكوت وباءوا بالعجز ، بل عجزهم أشد من عجز أهل مكة ، ثم أي دارس للأدب تسول له نفسه أن يفضل أهل المدينة على أهل مكة في البلاغة والفصاحة والتصرف في فنون القول والقدرة على إنشاء العبارات ! ومعروف أن قريشا كانت أوسط العرب دارا وأبرعهم في الخطابة والشعر والتفنن في الأساليب ، وإليها كان يحتكم العرب في شعرهم ونثرهم ، وقد ساعدها على هذا اجتماع العرب في مواسم الحج ، والمجامع الأدبية الحافلة ، والأسواق السنوية التي كانت تعقد بالقرب من دارهم في عكاظ ومجنة وذي المجاز ، فكانوا يتخيرون من لغتهم ما خف على اللسان ، وحسن في الأسماع وجاد من الأساليب . الشبهة الثانية قال : إن القسم المكي يمتاز بميزات الأوساط المنحطة أما القسم الثاني المدني فتلوح عليه أمارات الثقافة والاستنارة ، فالقسم المكي ينفرد بالعنف والشدة والقسوة والسباب والوعيد والتهديد مثل : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) السورة ، وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ أما القسم المدني : فهادئ لين وديع مسالم يقابل السوء بالحسنى . وللرد على ذلك نقول : 1 - إن القسم المكي فيه ثقافة واستنارة أيضا ، وفيه سمو ورفعة ووقار وجلال ولين ، وهو إن قسا فعلى الكافرين والمفسدين ، وإذا لان فللأخيار والصالحين وهو في كلا الحالين يدعو لخير الإنسانية جمعاء وعباراته مهذبة غاية التهذيب ، وكيف لا يكون فيه ثقافة واستنارة وقد تحدث أكثر ما تحدث عن اللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وعن الفضائل والآداب الإنسانية السامية ، وبحسبك أن تقرأ أي سورة من السور المكية لتعلم ذلك علم اليقين ، ثم ما ذا يريد هذا الطاعن بالسباب إن أراد البذاءة والفحش