محمد بن محمد ابو شهبة
184
المدخل لدراسة القرآن الكريم
كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها ، فصاروا بذلك أفصح العرب ، ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ، ولا عجرفة قيس ولا كشكشة أسد ، ولا كسكسة ربيعة « 1 » ولا الكسر تسمعه من أسد وقيس ، مثل « تعلمون » - بكسر التاء - و « ونعلم » - بكسر النون - ومثل « شعير وبعير » - بكسر الأول منهما . وقال الفراء : كانت العرب تحضر الموسم في كل عام ؛ وتحج البيت في الجاهلية ، وقريش يسمعون لغات العرب ، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به ، فصاروا أفصح العرب ، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ . وقال أبو نصر الفارابي ، في أول كتابه المسمى « الألفاظ والحروف » : كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعا ، وأبينها إبانة عما في النفس ، والذين عنهم نقلت العربية ، وبهم اقتدي ، وعنهم أخذ اللسان من بين قبائل العرب هم : قيس وتميم وأسد ، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه وعليهم اتكل في الغريب ، وفي الإعراب والتصريف ، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين ، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم . وبالجملة : فإنه لم يؤخذ عن حضري قط ، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم ؛ فإنه لم يؤخذ لا من لخم ، ولا من جذام ، لمجاورتهم أهل مصر والقبط ، ولا من قضاعة وغسان وإياد ، لمجاورتهم أهل الشام ، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية ، ولا من تغلب ؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان ، ولا
--> ( 1 ) عنعنة تميم إبدالهم العين من الهمزة ، والعجرفة جفوة في الكلام والكشكشة إبدال الشين من كاف الخطاب للمؤنث كعليش في « عليك » ، والكسكسة إلحاقهم بكاف المؤنث سينا عند الوقوف يقولون في بك « بكس » .