محمد بن محمد ابو شهبة

144

المدخل لدراسة القرآن الكريم

التعبير عن سبب النزول للعلماء في ذلك طريقتان ، استفيدتا من تتبع عباراتهم في هذا المقام : الأولى : قولهم : سبب نزول هذه الآية كذا ، وهذه العبارة نص في بيان السبب ، ولا تحتمل غيرها ومثل هذه العبارة أن يذكر الراوي سؤالا أو حادثة ثم يقول : فأنزل اللّه كذا ، فهذه نص أيضا ، وقد لا يصرح بالإنزال ، ولكن يفهم من فحوى القصة أن هذه الآيات أو الآية نزلت بسبب هذا السؤال أو الحادثة ، وذلك مثل رواية « ابن مسعود » الآتية في سبب نزول آية الروح . الثانية : قولهم : نزلت هذه الآية في كذا ، وهذه العبارة ليست نصا في السببية ، بل تحتمل السببية ، وتحتمل بيان المعنى ، وما تضمنته الآية من الأحكام ، والقرائن هي التي تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه . قال العلامة « تقي الدين ابن تيمية » : « قولهم : نزلت الآية في كذا ، يراد به تارة سبب النزول ، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية ، وإن لم يكن السبب ؛ كما تقول : عني بهذه الآية كذا ، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي : نزلت هذه الآية في كذا ، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند فالبخاري يدخله في المسند ، وغيره لا يدخله فيه ، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد ، وغيره ، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه الآية ، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند » . وهذا الذي ذكره ابن تيمية وغيره من أن الآثار التي ذكر فيها سبب النزول صراحة لها حكم المسند المرفوع هو الذي ذهب أئمة علوم الحديث إليه ، قال الحاكم في « علوم الحديث » : إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا ، فإنه حديث مسند ، ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره من أئمة الفن ، قال ابن الصلاح في مقدمته : « وما قيل من أن تفسير الصحابي حديث مسند فإنما ذلك في تفسير يتعلق